مليارات السم في الدسم

 

لم نقارب جدّياً بعد ملف الأموال السورية المهاجرة، رغم أنه أولوية متقدّمة في زحام استحقاقات كثيرة ملحّة رتّبتها الحرب على سورية، وبعضها يعود إلى ما قبل ذلك بكثير، لكن ربما يكون ملف الأموال المسافرة هو الأوضح والأخطر حالياً.

الخطورة تتأتى هنا من زاويتين، الأولى ضبابيّة الرقم الحقيقي الذي ينطوي داخل هذه المحفظة “الجوّالة”.. لكنه بالتأكيد رقم هائل مهما حاولنا التقليل من قيمته، والزاوية الثانية هي أن بعض هذه الأموال مكشوف وغير محمي في بلدان المقصد، ويعلم المتابعون لهذه السيرة أن ضياعات كثيرة لحقوق وأموال السوريين حصلت عبر عمليات نصب محكمة لم تكن السلطات بريئة منها في أكثر من بلد مضيف.

في إقليم الشرق الأوسط تحظى أربع دول بالحصّة الوافية من أموال واستثمارات السوريين، هي لبنان وتركيا والأردن ومصر.

في لبنان تبدو حساسية الملف أكبر.. والأرقام الرسمية التي تبوح بها السلطات ومصرف لبنان بشأن الأموال السورية هناك ما زالت متضاربة،  وقد تكون هذه الأرقام صادمة ومقلقة، إلّا أن الصادم والمقلق أكثر هو ما ينتظر هذه الأموال وسنحذّر منه الآن.

فمنذ التسعينيات المنصرمة.. قلّصت الحكومة اللبنانية من مساحة استقلالية مصرف لبنان فعلاً وأبقت عليها شكلاً لصالح حالة الاستقطاب المالي التي برع بها، وألزمت المصارف بتوظيف 20 % من إيداعاتها في شراء سندات الخزينة بالليرة اللبنانية وليس بالدولار، تحت طائلة الإغلاق وتمّ إحداث مكتب متخصص بالرقابة على الالتزام.

المصارف هناك تستقبل إيداعات السوريين ومثلهم العراقيين – ومعظم الإيداعات الخارجية هناك تحمل هاتين الجنسيتين– بموجب صكوك تنطوي على حالة إذعان يعرفها المودعون، لكن بعضهم لا يدرك خطورتها ونتائجها الكارثية التي سوف لن تتأخر بالظهور، فالمودع يوافق في سياق بنود الصك على أحقية المصرف في استثمار هذه الإيداعات بالليرة اللبنانية، وطبعاً المصارف تحوّل هذه الأموال إلى نقد لبناني وتستثمر في سندات الخزينة بفائدة 15% وتدفع 4% للمودع بالدولار.

الخطير الآن.. أن أنباء بدأت تتسرب “واشية” عن تحضيرات المصارف هناك لإعلان إفلاسها، وهو إجراء مالي معهود يرقى إلى مستوى التدبير الاقتصادي، تمّ تجريبه في الكثير من البلدان.

حينها سوف يعلن مصرف لبنان تعويم العملة، أي قد تتراجع قيمة العملة اللبنانية 10 إلى 20 ضعفاً في متوالية هبوط سريعة، والطبيعي في هذه الحال أن يلجأ المودع غير اللبناني إلى محاولة سحب إيداعاته، ليفاجأ بأن الأموال ستعاد وفق القيمة الرائجة لليرة اللبنانية، وإن اعترض سوف يواجه بحقيقة أن “العقد شريعة المتعاقدين”.

الآن يترتب على الجهات المعنية في سورية اتخاذ إجراء وقائي وعلاجي سريع، يستهدف استقطاب أموال السوريين في لبنان، لحمايتها أولاً ثم لتوطين منفعتها ثانياً، لأن سوريّة أولى بأموال أبنائها، وعلينا ألا نعدم الوسيلة لجعل هذه الكتلة المالية الكبيرة، محركاً تنموياً عالي الاستطاعة، ونواة لإطلاق مشروع وطني لاستعادة الأموال السورية المهاجرة، لأن سورية تستحق وسورية بحاجة.

ناظم عيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات