نهاية الرهانات الكبرى

هذا المقال رقم : 5 من 72 من العدد 2018-9-14-16188

 

انطلاقاً من مسرحية الكيماوي يبني محور الحرب أحلامه على خلط الأوراق من جديد، والاستمرار في لعبة الكراسي المتحرّكة، وتبادل الأدوار، بما في ذلك أردوغان، الذي كان هناك من اعتقد لوهلة أنه حسم أمره نحو التوجّه شرقاً والخروج نهائياً من تحت العباءة الأمريكية..
اليوم بات كل المتآمرين والمستعمرين الأطلسيين لا يرون إلا إدلب، وعليها يبنون استراتيجياتهم وسياساتهم الآنية، ويعتقدون أنه انطلاقاً منها يمكن أن يحصلوا على مكاسب عجزوا عن تحقيقها خلال ثماني سنوات من الحرب الضروس.. يهدد ترامب ويتوعّد بعدوان عسكري واسع النطاق، وكذلك الأمر بالنسبة لماكرون ووزير خارجيته لودريان، فيما يحشد رئيس النظام التركي ما تبقى من فلول إرهابية تأتمر بأمره لزجها في مواجهة الجيش العربي السوري العازم على تحرير إدلب مهما كان حجم الصراخ الغربي والتباكي على أهلها، الذين ذاقوا “زوم الصبر” إثر ممارسات “النصرة” وتوابعها، وينتظرون لحظة بلحظة وصول جيشهم الوطني لتخليصهم من ممارسات تنظيمات تكفيرية عاثت قتلاً وفساداً وتدميراً واغتصاباً بحق أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا وعاشوا في تلك المنطقة.
أردوغان ومعه وزير الخارجية الفرنسي يحذّران من المعركة، ولكن وفق مفهومين مختلفين تماماً، ففيما يهدد رئيس النظام التركي بموجة نزوح جديدة باتجاه أوروبا في حال تركه وحيداً في المعركة، فإن لودريان قلق من عودة الإرهابيين، “الثوار” سابقاً عندما كانوا ينفذون الأجندة الأمريكية وبتسهيل من بعض قادة أوروبا، ومن هنا أتى الموقف الفرنسي الحاد من المعركة، حيث إن الخيارات أمام المرتزقة باتت محصورة في أمرين: إما الفرار إلى بلاد المنشأ، وإما القتل على الأراضي السورية، حيث إنه من الآن وصاعداً لا مناطق أخرى يمكن أن تستقبل شذاذ الآفاق والقتل بالوكالة، ولا باصات خضراء تحملهم إلى نقاط تجمّع جديدة،  ما يعني أن فراراً، ولو العشرات منهم على شكل “ذئاب منفردة”، سيضع القارة العجوز أمام قلق أمني مستدام سيستمر لسنوات، وربما يضع أوروبا برمتها فوق بركة من الدماء.
تلك المخاوف جعلت بريطانيا تأخذ خطوة متقدّمة على أمريكا باتجاه إعداد سيناريو كيميائي جديد بالتعاون بين استخباراتها وإرهابيي الخوذ البيضاء باستخدام أطفال مختطفين ويتامى جراء الحرب الإرهابية، وذلك في سبيل خلق ذريعة يمكن من خلالها شن عدوان جديد، لكن سورية سارعت إلى وضع مجلس الأمن في صورة ما يتمّ التحضير له من خلال تفاصيل ومعلومات دقيقة وموثقة، أكدتها روسيا وكذلك صحفيون ووسائل إعلام غربية، الأمر الذي جعل محور الحرب تحت الضغط حتى من شعوبه، التي أدركت حقيقة ما تتعرّض له سورية، بعد أن باتت ذرائع الحكومات الغربية مفضوحة ومكشوفة، ولا يمكن بأي حال أن تنطلي على أحد، ما يعني أن مسرحية الكيميائي قد استهلكت، وفي حال استخدامها لتبرير عدوان جديد يمكن أن يؤدي إلى اتساع دائرة الاشتباك وتدحرج كرة النار، خاصة بعد إعلان روسيا أنها ستساعد الجيش السوري في صد أي عدوان، والأهم أنها ستساهم في طرد القوات التركية التي دخلت إلى سورية بطريقة غير شرعية.
بالمجمل، زمن الرهانات الكبرى انتهى وولى إلى غير رجعة، فمن رفع سقف المطالب، وحاول تقسيم سورية وتفتيتها وإخراجها من محور المقاومة وإلحاقها بمعسكر الاعتلال والخذلان، يفتش اليوم عن مخرج يحفظ ماء الوجه، والحصول على حصة في إعادة الإعمار، مقابل الإسراع في وقف الحرب، ومن كان يحلم بإعادة أمجاد السلطنة العثمانية أصبح الآن خارج اللعبة تماماً بعد أن فقد كل أصدقائه في الشرق وفي الغرب، ولا يملك سوى الصراخ والتلويح بعصا الإرهاب ليبقى داخل اللعبة، لكن دون مستجيب.
بجملة واحدة: استعادة إدلب ستكون نقطة تحول كبرى في مسار الحرب وتطهيرها من الإرهاب، وسيفقد محور الحرب آخر ورقة استنزاف لسورية.
عماد سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات