نوافذ 44 عبد الكريم النّاعم

1
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على رحلة بعيدة، وجد بين أوراقه، هذه الورقة، ولقد اعتاد على أن يدوّن بعض رؤوس الأقلام، حين يكون مسافراً، قلّب الورقة فوجد فيها:
للهدوء المنظّم جلال المهابة، وقيمة الزمن الباذخة، هنا الهدوء جزء من نبض حياتهم، أماكن الصخب لديهم موجودة في أماكن معزولة، لا يتجاوز ضجيجها جدرانها المحيطة.
في الصباح الباكر يعبرون بهدوء، بسياراتهم، أو على الدرّاجات، أو مشياً على الأقدام، الشوارع رافلة بجلال الصمت، صمت تسمع خطوات إيقاعاته الخفيّة بأذن روحك، بحسرة كرّر جملة قالها ذات يوم: “لسنا أبناء كوكب واحد”، أشكالُنا في التفصيل العام واحدة، وأعماقنا مختلفة، يبدو أنّ الأعماق تتأثّر جدّيّا بتضاريس الخارج.
الفندق يرقد ليلا بصمت مهيب.. في الصباح من حيث يطلّ، يُواجَهُ بطمأنينة الهدوء ذي الخضرة الدّائمة، رغم أنّ أنهار السيارات في حالة من التدفّق الذي لا ينام، جمال الأوطان الأخرى، وتقدّمها الواثق يثيران الأحزان الوطنيّة لدى البعض،
إذا كان ثمّة قلق هنا فهو القلق من الطّمأنينة.
آآآآآآآآه يا وطني، علّتك في المتسلّطين عليك، ونهّابيك، وليس في قلّة جدواك..
2
في كلّ منّا “نرسيسه” الخاص، وربّما كان أحد الأدلّة على ذلك أنّ الجميع يعلّقون صوراً في بيوتهم،
“نرسيس” ما، محفور في ذاكرتي، مرسمُه ومكتبه في بغداد، هو إذا نظرتَ إليه تقول “سبحان مَن صوّر”، ولعلّ هذا ما جعله يملأ المكتب بمرايا كبيرة، تُشعرك بفساحة المكان الضيّق قليلا، وربّما كان دور المرايا أنّه أنّى اتّجه شاهد فتنتَه.
في كلّ منّا “نرسيسه”، بيد أنّ البعض تكتمل رؤاه الإنسانيّة، فيُطرق تأمّلا، متذكّراً أنّه صعد من ذلك الطّين، فيتأمّل عمق التّكوين، ومهابةَ ونورانيّة الصعود، فيُطرق معرفة وامتناناً لا عكوفاً على الذات، وثمّة مَن يُطرق مفتوناً بذاته،.. بالمُباهاة الفجّة، لكأنّه هو الذي خلق ذاته!.
3
تجد نفسك، إذا كنتَ ممّن أصابتْه فتنة القراءة، مُجبَرا على قراءة كتاب، لسبب ما، فتواجهه مُكرَها، يُكرهك على ذلك معرفة جانب من جوانب العطاء البشريّ، لاسيّما حين تكون معلوماتك عن هذا الشيء مُتواضعة، وقد لايكون ما في الكتاب ممّا تحتاج إلى شيء فيه في عبور أيامك، ولكنّك تشعر بضرورة أن تسافر فيه، وهذا كدّ حقيقيّ، وربّما قلتَ لنفسك ما الذي يُجبرني على قراءة هذه الكتب؟ وأنت تستطيع ألاّ تفتحها، ولكنّ وسواس الاطّلاع وحده يكاد يشكّل أفقاً.. قيْداً.. قد تختاره كما اختار بعض الناس الذّهاب إلى أعالي الصّعاب، لا لشيء، ربّما، إلاّ أن يُطلّوا على المشهد من ذروته، لا أن يكتفوا برؤية ما نقلتْه الكاميرات حيّا، حتى لكأنّك كنتَ هناك، وثمّة فارق جوهريّ بين مَن اكتفى بمشاهدة الفيلم المعروض، وبين مَن كان حيّاً فاعلاً فيه.. تُرى.. أذلك هو ما سمّوه دودة القراءة؟!.
aaalnaem@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات