هل تجوز محاكمتهم؟ أطفال متسولون.. ضحايا لطمع الأهل والاستغلال أم خارجون عن القانون والمجتمع؟!

هذا المقال رقم : 38 من 47 من العدد 2018-3-26-16067

يسكن أحمد ابن الاثني عشر ربيعاً مع أمه وإخوته الأربعة في مبنى مهجور يرجع في ملكيته لشركة زينة على طريق معربا، يذهب كل يوم لبيع البسكويت ظاهرياً، ولكنه ضمنياً يقوم بالتسوّل، يقطع مسافة طويلةً جداً ومتعبةً على طفل بعمره حتى يصل إلى جسر الرئيس، حيث يمارس هناك عمله حسب قوله، ويبقى لحلول المساء ثمّ يعود متنقلاً بأكثر من وسيلة نقل ليصل إلى منزله، أو ما يُطلق عليه منزل أخته الكبرى في الخامسة عشرة من عمرها، ولكنه لا يعلم إلى أي صف وصلت، فهو تسرّب من المدرسة في الصف الثاني الابتدائي ليصارع قساوة الحياة وحيداً، رغم حبه لمتابعة دراسته كما أوضح. يقول أحمد: أعمل منذ أن كان عمري تسع سنين لأصرف على أسرتي، مضيفاً: إنه لا يسمح لأحد أن يزعجه، فهو”بيكسر إيد يلي بيزعجو”.. هذا ما تعمله من التسول، ومن المكوث لساعات في الشارع متخليّاً بذلك عن براءته وطفولته.

 معالجة الظاهرة

إن تغطية القضايا الإنسانية عموماً، وقضية بالغة الحساسية كتسول الأطفال خصوصاً، يتطلب منّا أن نكون حذرين جداً، لأنّنا نتعامل مع فئة اجتماعية تعتبر ضحية، فالموضوع بالتأكيد صعب، لذلك يتوجب علينا عدم النظر إلى الأطفال المتسولين كمجرمين، لأنهم ضحايا يتعرضون للاستغلال، ويدفعون ضريبةً باهظةً، ولا نستطيع أن نتجاهل أن للموضوع أبعاداً إنسانية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية.

أخلاقياً لا يجوز الحكم بالمطلق على المتسولين، وخاصةً أننا في ثقافتنا الدينية تعلّمنا ألّا ننهر السائل، لذلك نرى الكثير من المتسولين يتسترون وراء هذه الثقافة، وبالوقت نفسه لا يجوز أن نطلق عليهم أحكاماً مسبقة ونحاكمهم كمجرمين، لذلك علينا أن نتعامل مع المتسولين بطريقة خاصة، وليس بطريقة التعميم على الجميع، من دون أن ننسى أن الكثير من المتسولين يعتمدون النصب والاحتيال أسلوباً لهم، وهؤلاء نسبتهم كبيرة جداً، والإحصائيات غير الرسمية تشير إلى أن المتسول في سورية يحقق ريعاً شهرياً يصل إلى ثلاثمئة ألف ليرة سورية تقريباً.

جهود رسمية خجولة

اقتصر علاج ظاهرة التسول بشكل عملي على الإجراءات المتخذة من قبل وزارتي العدل والداخلية بشكل أساسي، وحسب ما أشارت فداء سيف الدين دقوري، رئيسة فريق رصد الحالات والتسول للفريق التطوعي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أن الوزارة توجهت إلى تفعيل دور الجمعيات الأهلية لضبط ظاهرة التسول، وتقوم الوزارة اليوم بتفعيل مكاتب مكافحة التسول في أغلب المحافظات للقضاء على هذه الظاهرة، وتشكيل فريق تطوعي يعمل تحت إشرافها لرصد حالات التسول والتشرد، وملاحقة المتسولين والمشردين، وتنظيم الضبوط بحقهم، حيث تتضمن تقديم دراسة على حالة كل موقوف من الناحية الاجتماعية قبل صدور الحكم القضائي بحقهم، ومن ثم متابعة أحوال الذين يتخرجون من دور التشغيل بعد تنفيذ الأحكام القضائية، وانقضاء المدد التي حكموا بها، وتفعيل خط ساخن للإبلاغ عن تواجد الحالات في مدينة دمشق وريفها على أن تشمل باقي المحافظات، هنالك صعوبات كثيرة تواجهها المؤسسات الرسمية والجمعيات المعنية تتمثل بأن بعض الأطفال المتسولين والذين اعتادوا على أن تصل لأيديهم مبالغ كبيرة تتراوح ما بين خمسة عشر ألف ليرة وعشرين ألفاً يومياً لن ترضيهم أن تصل لأيديهم ولأيدي أهلهم الذين يشغلونهم بضع مئات من الليرات.

وبالطبع غياب مكافحة التسول في فترات الحرب على سورية، شجع الكثيرين على القيام بهذا العمل، ولذلك شهدنا في شوارع دمشق العشرات من الأطفال والنساء والشبان يتسولون دون أي رادع، أو خوف مستغلين ظروف الحرب وعدم المحاسبة، ولا نذيع سراً إذا تحدثنا عن مافيات تقف وراء الكثير من المتسولين، لذلك أصبحت الحاجة مُلّحة لمحاسبة ومعاقبة  المتورطين والمجرمين الفعليين.

المخاطر المترتبة

إن المخاطر الناجمة عن التسول لا تعد ولا تحصى، وأولها جيل من المجتمع بلا كرامة، فخطورة المتسول الحقيقية أنه أصبح في المرحلة الأولى لما بعد التسول، أي أصبح عرضة للدعارة والمخدرات والتحرش، وصولاً للإتجار بالبشر، حيث إن الكثير من الأطفال المتسولين يتعرضون للتحرش بسبب تواجدهم في الشارع، سواء تحرش لفظي أو جسدي، فهم بنظر بعض عديمي الأخلاق بضاعة مباحة حتى الإتجار بالسلاح، وهنا يفتح الباب بمصراعيه لمن يقف وراء تشغيل الأطفال بالتسول لاستغلالهم، فمن أفضل من الطفل المتسول لترويج المخدرات خصوصاً بوجوده على الإشارة وسهولة إغرائه، فهو سهل الانجرار إلى ما بعد التسول، وهذه الخطوة الأخطر التي يمكن أن تفتح باب واسعاً للجريمة، المجتمع بغنى عنها، لذلك مجابهتها ليست مجابهة صورة ليست جميلة حضارياً، وإنما ضرورة مُلحة لتجنب المآسي التي قد تنجم عنها، هناك جانب إنساني للموضوع أيضاً، فالقضية ليست فقط استجداء الناس، بل هي خطوة أُولى لمنزلق، وهنا تكمن الخطورة الأكبر، لذلك يتوجب علينا معالجة القضية على أنها ليست مشكلة فردية، وإنّما مشكلة مجتمع بثقافته وتركيبته الاجتماعية، ففي دول الغرب مشهد المتسول مشهد غريب وشاذ وغير مقبول أبداً، أمّا في مجتمعاتنا بات المشهد مألوفاً، وأصبح تخصصياً بمعنى أن هنالك بعض المتسولين متخصصون بجلب الحظ والرزق أو الحبيب الغائب، وبعد قيام المتسول بالدعاء وبعض “الخزعبلات” على الناس، لا بد من دفع ثمن لتلك الدعوات، والكثير من الناس عندما يعطون المتسول النقود فهو من باب ثقافة اجتماعية متمثّلة برد البلاء، أو إعطاء المسكين والمحتاج، وهنا نرى من يكون ملحّاً جداً، ما يضطرنا لإعطائه، وعند إظهار النقود يتجمع من معه من المتسولين، هذا العرف الاجتماعي بالتعامل مع القضية يحتاج إلى الكثير من التصحيح والتغيير بحد ذاته، لأنه أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية الجمعية، وهنا تبرز ضرورة معالجته على أنه جزء من هذه الثقافة الشعبية الجمعية السيئة التي لا نستطيع نكرانها.

ظاهرياً يعدّ التسول من أسهل الطرق وأسرعها جلباً للمال: ثياب رثة، بضع كلمات لاستدرار العطف والشفقة، والكثير من الدعوات، ويكون الوضع أفضل إذا كان المتسول طفلاً لأنه الأقدر والأسرع على استدرار العطف، ولكن الأمر فعلياً أصعب بكثير من ذلك، والغريب أن البعض اعتبرها مهنة، وأصبح يتوارثها مع عائلته، فكثيراً ما نرى أسراً بأكملها تتسول، والبعض الآخر يتسول رغماً عنه لعوز وحاجة، مع غياب شبه رسمي للاهتمام بهذه الفئة، وبالتالي عدم توفير إعانات، أو تعليم مهن تكفي عن سؤال الغير والتسول، وهنا نلاحظ أن من يقوم بالتسول يعتمد على الثقافة الشعبية السائدة التي تقوم على عدم نهر السائل، لذلك نرى أشكالاً وأساليب متعددة للتسول، منها ادعاء البعض لإصابتهم بعاهة، أو مرض، أو فقدان المعيل، كل هذا للحصول على المال، أو ما يعادله من طعام وملبس، مع تفضيل الأغلبية للمال.

العناية بفاقدي الرعاية

تحدثت الأستاذة زبيدة فهد، عضو مجلس جمعية حقوق الطفل، وأمينة سر مجلس الجمعية، خريجة كلية التربية، عن مشروع تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع الجمعية، يقوم على تأمين الرعاية للأطفال فاقدي الرعاية الأسرية الذين فقدوا أهلهم في الحرب، حيث تقوم الجمعية مع الوزارة، ومن خلال ضبط الشرطة، باصطحاب الأطفال المشردين والمتسولين إلى مبنى خاص لتتم رعايتهم هناك بعد إجراء الفحوص الطبية اللازمة، وبالتعاون مع وزارة التربية ومنظمة اليونسيف لتمكين الأطفال من متابعة تعليمهم عن طريق منهاج الفئة ب، وبمساعدة الأمانة السورية للتنمية لإصدار أوراق ثبوتية للأطفال، وتعمل وزارة الشؤون على تأمين مركز خاص بالذكور في منطقة قدسيا، ومركز آخر للإناث في باب مصلى تحت إشراف تربوي، حيث تم تقديم التأهيل النفسي لحوالي 60 طفلاً من الذكور، و35 من الإناث، وعلى الرغم من الجهود المبذولة، إلا أنها تعتبر متواضعة، وتحتاج إلى المزيد من الاهتمام والمتابعة.

القوانين الناظمة

أحد الشبان الذين يعملون في كشك في منطقة البرامكة يقول إنه يومياً يقوم بتحويل حوالي خمسة عشر ألف ليرة سورية من المعدن إلى ورق لطفلين يمتهنان التسول، وبالتالي نحن كمجتمع نساهم بطريقة غير مباشرة بتوريط هؤلاء الأطفال أكثر وأكثر عن طريق إعطائهم النقود، وبالتالي نشجعهم على البقاء في الشارع، إذاً هي مسؤولية متكاملة تقع على عاتق الجميع: المؤسسات الرسمية، والمجتمع المدني، الكل هو جزء من المشكلة، وبالتالي الجميع جزء من الحل لنستطيع الحدّ منها، لأن التخلص من هذه الظاهرة مستحيل، فهي ظاهرة لا تخصّ مجتمعاً بعينه، ظاهرة موجودة في كل المجتمعات الفقيرة والغنية، ولكن بالطبع بنسب متفاوتة، ويجب التعامل معها بروحها الإنسانية كحجمها الحقيقي، فاستدرار الشفقة من قبل الأطفال يجب ألا يجعلنا نخرج عن سياسة معالجة القضية كمشكلة اجتماعية، أي أن نلجأ للموقف الصحيح، فلا يجب أن ننهرهم، ولا أن نعطيهم، فالقوانين السورية الناظمة لموضوع التشرد والتسول كقانون مكافحة التسول والتشرد رقم 16 لعام 1975، بالإضافة لقانون الأحداث للجانحين رقم 18 لعام 1974، وأخيراً قانون العقوبات العام رقم 48 لعام 1949وتعديلاته، كلها تحتاج للمزيد من التعديلات لتصبح مناسبة لهذا الوقت، فظاهرة التشرد والتسول تغيرت مع الزمن، وأصبحت أكثر خطورة، وتحتاج اليوم لعقوبات رادعة قبل أن تتفشى أكثر ويصعب على المؤسسات المعنية والمجتمع المدني كبحها، حيث حدد القانون غرامة مالية حسب المادة 603من قانون العقوبات السوري، وعقوبة بالحبس من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة مالية 2000 ليرة يدفعها والد القاصر الذي لم يتم الخامسة عشرة من عمره، والقانون رقم 16 لعام 1975 تضمن إحداث دور لتشغيل المتسولين، ولكن لا يطبق بشكل صحيح، والأحكام الموجودة غير كافية، وهي قاصرة، في حين لو طبقت بشكلها اللازم ربما تحدّ من هذه الظاهرة الخطيرة.

ارتفاع النسب

إن نسبة المتسولين الأطفال تشكّل النصف، ثم تأتي فئة النساء، وأخيراً الرجال بنسبة أقل،  ومما لا شك فيه أن الحرب أثرت كثيراً بارتفاع النسب، وزادت معدلات الفقر، وارتفاع البطالة، وتسرب الأطفال من المدارس، وغياب المحاسبة، كل هذه الأسباب مجتمعة تزيد من مسؤولية الوزارات المعنية: التربية، والعدل، والشؤون، والداخلية، والتشدد بتطبيق القوانين وتفعيلها أحد أهم الحلول التي تساهم في معالجة المشكلة، أو على الأقل الحدّ منها، اليوم ما يثير السخرية أن من يعيب على السوريين تسولهم، خاصة في الدول المجاورة كلبنان، وتركيا، والأردن، يقوم هو نفسه بالتسول على حساب اللاجئين السوريين، وهذا ما رأيناه لحكومات تلك الدول التي تقوم بسرقة الأموال والتسول باسم اللاجئين من منظمات دولية!.

لينا عدره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات