واشـــنطن تصعّـــد … وبكيـــن تتوعـــد

 

ترجمة: هيفاء علي
عن ريزو انترناسيونال 29/3/2018
انكب دونالد ترامب على تنفيذ إحدى النقاط الرئيسية في حملته الانتخابية: حرب تجارية على نطاق واسع ضد الصين. ترامب المعروف بكونه رئيساً استعراضياً، خرق القاعدة وأعلن عبر قناة يوتيوب الخاصة بالبيت الأبيض عن تبني قيود تجارية واستثمارية، بمثابة عقوبات، ضد الصين. الهدف المعلن من هذه القيود، على المدى القريب على الأقل، تقليص العجز التجاري مع الصين الذي تراوح بين 375 و504 مليارات دولار وفق التقديرات الأمريكية، وكذلك معاقبة بكين على “سرقة الملكية الفكرية الأمريكية”، وعلى الصعيد الاقتصادي يبدو الرهان مختلفاً تماماً: يريد البيت الأبيض إعادة إحياء “أمريكا العظمى من جديد”. الصين من جهتها كانت قد أعدت حزمة إجراءات مضادة، وراسلت إشارات واضحة حول عزمها على تكبيد الاقتصاد الأمريكي أضراراً جسيمة وزعزعة الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من التهذيب المشار إليه من قبل الموقف الدبلوماسي الرسمي، فقد بدا موقف بكين حازماً جداً، حيث استخدم محرر البيان الصادر عن وزارة الخارجية الجملة التالية للرد على تهديدات واشنطن: “إذا اقتطعت واشنطن قطعة من الكرسي الصيني، فسأحطم أسنانها الأمامية”. مع تجاهل الغرابة والصور المستخدمة من قبل وسائل الإعلام الصينية، من الممكن عزل وتحليل مستويات عدة للإجراءات المضادة المحتملة التي ستتخذها بكين، و لعل الرد الأسرع والأكثر بديهية الذي يتحدث عنه النواب الصينيون الرسميون هو تبني عقوبات تستهدف السياسة الخارجية أكثر من السياسة الاقتصادية، وفي غضون الأسابيع القادمة، سيتم فرض رسوم عقابية كبيرة وحظورات مباشرة ستطال عملية استلام الصويا الأمريكي في الصين التي تعد أكبر مستورد لهذه المادة في العالم، حيث تستلم منها أمريكا كل عام 12 مليار دولار، وعليه يكون الهدف الرئيس من حصار الصويا هو المزارع الأمريكية التي صوتت لصالح ترامب، وتجازف بإعلان الإفلاس جراء قرارات رئيسها الحمقاء.
المرحلة التالية من خطة تدمير الاستقرار السياسي الأمريكي هي فرض قيود على الشركات التي تمثل للصين السوق الأساسي للصادرات، والتي تتواجد قدرات إنتاجها في الدول التي دعمت ترامب في الانتخابات. وبوسع السلطات الصينية أيضاً الاستقاء من القائمة التي وضعها جان-كلود جانكر، الذي طالب الاتحاد الأوروبي بالمقاربة نفسها بعدما تبنى ترامب الرسوم على الشركات الأوروبية. تتضمن قائمة جانكر شركات مثل هارلي دافيدسون، لوفي ستروس، وشركات بوينغ، وشركة السيارات الكهربائية تيسلا موتورز.
وعليه، من شأن الإجراءات الصينية المضادة أن تكون مؤلمة وقاسية، لكن ثمة احتمالاً ضعيفاً بتوقف هذه “الحرب التجارية” عقب تبادل الضربات. إذ يعتبر ترامب أن أي نتيجة لا تكون إعادة التوازن إلى الميزان التجاري مع الصين، فهي تعني الهزيمة، وبالنسبة للصين أي إظهار للضعف سوف يشجع ترامب على تكثيف ضغوطه على بكين، وعليه سيبقى لدى الصين في المرحلة الأخيرة من الحرب التجارية أداتان فعالتان للتأثير على واشنطن. وقد حددتهما وسائل الإعلام الأمريكية بـ “الخيارات النووية”، أي أعمال انتقامية ستجر تبعات شديدة الخطورة على المدى البعيد، وسيكون من الصعوبة ضبطها. “الخيار النووي” الأول سيكون تخفيض قيمة اليوان فجأةً ما سيجعل الرسوم الباهظة التي فرضها ترامب ضربة عديمة الجدوى، وسينجم عنها استبعاد المنتجات الأمريكية عن الأسواق الدولية لصالح المنتجات الصينية أفضل الأسواق. بالتأكيد بوسع واشنطن إبعاد كل الواردات الصينية من السوق الأمريكية، لكن هذا الأمر لن يحل مشكلة المصدرين الأمريكيين وسيؤول إلى ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك، محاولات “تصحيح” الوضع بفضل تخفيض مماثل للدولار سيقود إلى ضغط إضافي للتضخم، ونشوب حرب نقدية ستكون فيها الولايات المتحدة والصين، وربما الاتحاد الأوروبي مجبرين على تقليص ضريبة عملاتهم لحماية أسواقهم الخاصة بهم وللحفاظ على قدرة التصدير. في سياق هذا السيناريو، سيتأثر العالم برمته، إلا أن المصادر الصينية تشير إلى أن الحفاظ على مقاومة الصين، “قوة المواطنين الصينيين في تحمّل المصاعب الاقتصادية”، أكبر بكثير من قوة تحمّل الأمريكيين.
“الخيار النووي” الثاني أشار إليه السفير الصيني في واشنطن في حديث أدلى به لوكالة أنباء بلومبيرغ، ورداً على سؤال يتعلق بمعرفة ما إذا كانت بكين تدرس احتمال “تخفيض مشتريات السندات الأمريكية” لموازنة الثقل مع تصرفات ترامب، أجاب السفير: “ندرس كافة الاحتمالات، ولذلك نعتقد بأن كل الإجراءات أحادية الجانب والحمائية ستكون ضارة للجميع، ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن خطورة تبعاتها، إذ تحمل هذه الإجراءات في طياتها ظلماً للنشاط اليومي للطبقة الوسطى الأمريكية، وكذلك للشركات والأسواق المالية الأمريكية”، ضمن هذا السياق، تبدو سلة السندات الأمريكية البالغة قيمتها أكثر من 1000 مليار دولار تحتجزها الحكومة الصينية، سلاحاً مالياً قوياً أيضاً، وهنا يكمن الخطأ الذي ارتكبه ترامب: نتيجة الأحوال السياسية المعقدة أجرى قبل كل شيء تعديلاً ضريبياً، وأطلق خطة استثمار على نطاق واسع في البنى التحتية، ولم يبدأ الحرب التجارية مع الصين إلا مؤخراً، ففي محاولة منه لسد الديون في الميزانية الأمريكية التي ارتفعت جراء التعديل الضريبي، وبغية تمويل خطته الخاصة بالبنى التحتية، تعين عليه زيادة السرعة بحيث تتراكم ديون الولايات المتحدة نتيجة إصدارات السندات العامة، مسؤولو الوول ستريت يعلمون ذلك، وبكين أيضاً، لهذا السبب وبغية تكبيد الولايات المتحدة خسائر خطيرة، يكفي الصين بكل بساطة تعليق شراء السندات الأمريكية، دون الحديث عن احتمال قيامها ببيع جزء أو كل محفظتها من السندات الأمريكية، فمنذ عدة أشهر، سرت شائعات عن قيام بكين بتجميد شراء السندات الأمريكية، ما أثار مخاوف الأسواق، القرار الرسمي تعليق شراء أو بيع السلة الصينية سيولد المخاوف في كل مكان، فالصين أكبر شار أجنبي للسندات الأمريكية، وانسحابها من السوق سيدفع ترامب إلى الاختيار بين عدة خيارات سيئة: إما العزوف عن استثمارات البنى التحتية التي تمثّل “طموحه”، أو تقليص نفقات الميزانية في قطاعات أخرى، أو المضي إلى “تحويل الديون إلى نقد”، عندما تتلقى بنوك خاصة قروضاً من الخزانة الفيدرالية، وتشتري سندات عامة من وزارة المالية الأمريكية بهذا المال.
لكل خيار من هذه الخيارات تداعيات سلبية خطيرة، فعندما يتخلى ترامب عن استثمارات البنى التحتية، فإن الولايات المتحدة ستبقى دون إنعاش الصناعة، في حين أن البنى التحتية الأمريكية تقترب من العتبة التي يتواجد خلفها تهديد ركود “حتى مستوى العالم الثالث” باعتراف ترامب وحاشيته، وتقليص نفقات الميزانية في مجالات أخرى سيؤول إما إلى ثورة القوة الصناعية الأمريكية، صناعة التسليح، وإلى تقهقر الجيش في حال تخفيض الميزانية العسكرية، أو سيولّد احتجاجات اجتماعية، وخسارة السلطة في الانتخابات المقبلة في حال تقليص الميزانية الاجتماعية، وتمويل تنامي الدين بالسندات سيطرح التساؤل حول انخفاض كبير في قيمة الدولار، وخسارة الوضع المهيمن للعملة الأمريكية في النظام المالي العالمي.
حقيقة، إن مشكلة تطبيق “الخيارات النووية” هي أنه في العالم الراهن المعولم الذي ترتبط فيه كل الاقتصاديات العظمى ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً، ستجر زعزعة استقرار الاقتصاد الأمريكي تبعات سلبية غير متوقعة على العالم برمته، كما ستنعكس سلباً على الصين نفسها في حال لجأت إلى اتخاذ إجراءات جذرية أحادية الجانب إذا لم يبق أمامها خيار آخر.
من جهة أخرى، ستدفع “الخيارات النووية” ترامب إلى الوقوع في ورطة لا يحسد عليها، وستجعل محاولة تسوية المشاكل الاقتصادية بطرق عسكرية أمراً لا يحتمل.. في السياق، استثمارات روسيا الواسعة في التسليح التي تحدث عنها بوتين مؤخراً، هي أفضل ضمان ضد التجاوزات الأمريكية، ولكن نجهل ما قد تفعله الصين إذا ما قرر ترامب “قلب طاولة المفاوضات”، والمضي في الحرب الاقتصادية إلى المواجهة المسلحة؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات