وداد سكاكيني رائدة الأدب والإبداع

هذا المقال رقم : 30 من 54 من العدد 2018-12-3-16243

“اقرؤوا وداد سكاكيني بروية فهي مجلية في باب البحث وأدب السيرة، تميزت بغزارة إنتاجها وجمعها بين عدد من فنون الكتابة النثرية التي أجادت فيها سواء في القصة والرواية والمقالة، أم في البحث والدراسة والنقد الأدبي وأدب السيرة” هذه الكلمات قالها د. طه حسين في الأديبة وداد سكاكيني التي كانت البطلة العاشرة من ندوة “سوريات صنعن المجد” التي حملت عنوان “وداد سكاكيني بين البحث والإبداع”.
أدار الندوة الأديب مالك صقور وكان موفقاً في قول واضح وسلس عن أهم ما قدمته الأديبة في مجال الأدب، وأعطى الندوة حقها وأجاد بكلامه عنها ليجذب انتباه الموجودين بكلامه الجميل أكثر من المحاضرين أنفسهم، إذ وصف صقور وداد بالمرأة الكاملة، فهي الأديبة العربية السورية الدمشقية التي تفخر بها بلاد الشام، وقال: من يقرأ إبداعات وداد سكاكيني سيعرف موهبة هذه الأديبة، فهي تختار موضوعاتها المتنوعة والمختلفة والغنية فنياً بكل دقة، ويحس القارئ عند قراءتها بحرارة اللهجة وقوة النبرة وجزالة الكلمة كما يعرف انتصارها للقيم والأخلاق والشرف، وامتاز إبداع وداد بالصدق الفني لما كتبته.
وداد سكاكيني من مواليد صيدا في لبنان، تخرجت في كلية المقاصد الإسلامية في بيروت، ثم أقامت بين سورية ومصر مع زوجها الأديب زكي المحاسني، بدأت حياتها الأدبية في الثلاثينيات، ونشرت معظم أعمالها في القاهرة، وتوفيت في دمشق عام 1991، وقد كتبت الإعلامية والكاتبة المصرية أمينة السعيد عنها في مجلة “حواء” إذ قالت: “حين يرد ذكر وداد سكاكيني يعتبرها كل شعب عربي واحدة منه، فاللبنانيون يعتزون بمنبتها، والسوريون يتمسكون بتوطنها وجنسيتها، والمصريون يرون في إنتاجها أصدق صورة للعقلية الأدبية المصرية”.

“في دمشق”
سكنت سكاكيني دمشق ودمشق سكنتها، واستفاضت الأديبة فلك حصرية في الحديث عن تاريخ أقدم المدن العريقة وعن ما مرت به من عصر النهضة وأقدم صرح للجامعة، لكن حديثها عن الأديبة سكاكيني في هذه المدينة العريقة كان مقتضباً، حيث قالت:
في الهزيع الأخير من القرن التاسع عشر غدت دمشق إحدى ميادين النهضة العربية لتؤسس فيها الصحف والمجلات وتنتشر المدارس، دمشق التي شهدت في ظل الانتداب الفرنسي محاكمة النساء لقيامهن بمظاهرات مطالبات بالاستقلال وخروج المستعمر، وقد أكدت الأديبة الكبيرة وداد سكاكيني -عبر كل ما كتبته بقديمه وجديده بذلك الزمن الذي شهدته- حرصها الشديد على أن يكون الإصلاح غايتها وغرضها، الإصلاح في المجتمع والناس والسلوك والضمير، وبالمقابل فقد قدر أدبها أعظم الأدباء وحملة الأقلام ليشهد لها الجميع بصفاء الأسلوب وعمق الثقافة والفكر، ونجحت تلك الأديبة والباحثة والناقدة في الميدان الأدبي وبجدارة كما في التواصل مع المجتمع العربي من خلال كتاباتها.
خرجت سكاكيني منذ نشأتها من إطار الوطن الضيق مهتدية في نتاجها الأدبي إلى فكرة الالتزام بالأدب بوحي من ذاتها وإحساس صادق بحاجات المجتمع، وهي التي تعد من كاتبات النصف الأول من القرن العشرين واللواتي خضن المجال الأدبي بثقة ووعي وإيمان، ليأتي مؤلفها “الخطرات” باكورة إنتاجها.
سكنت دمشق وسكنتها ولم تكن في أبجديتها الأدبية المتناغمة وأسلوبها المتزن الواضح ونقدها البناء الشفاف وتعبيرها الصادق واتزان رأيها وتعدد مواهبها إلا الوجه الآخر والمرآة العاكسة لدمشق.

المرأة
واستعرض د.عاطف البطرس مجموعة مقالات من كتاب “إنصاف المرأة” للأديبة وداد سكاكيني ليضعنا فيما قدمه من نتائج أهمها أن الأديبة لم تقصد بإنصاف المجتمع كمساواة مع الرجل، وإنما تقصد بها إعطاء حقوق المرأة منطلقة من مرجعيتها في القرآن والسنة النبوية والثقافة الدينية، وفي ختام حديثه نقف حائرين إن كان كمحاضر يقف مع المرأة أم ضدها.
ومن الملاحظات التي سجلها البطرس عن الكتاب: أن سكاكيني لم تذهب إلى خلاص من هيمنة الذكورة التي تسم الحضارة البشرية، وكأن التاريخ والتقدم هو منجز ذكوري، ولم تذهب بعيداً في تجذير قضية المرأة والعودة إلى جذورها التاريخية والفكرية، وعندما تطالب بالإنصاف لا تطالب بحركة انقلابية تعيد الوضع إلى طبيعته عندما كانت المرأة هي الحاكمة لمرحلة مديدة من التاريخ، ولم تذهب بوضع يدها على المفتاح الانعطافي في التحول من مجتمع المرأة مهيمنة فيه إلى مجتمع تهيمن فيه الذكورة، لأن هذه تتعارض مع مرجعتيها بما تعتقد، وبما جاء في الأحاديث والقرآن وما جاء في الثقافة العربية.
والملاحظة الأخرى هي ميل المؤلفة في كثير من مقالاتها إلى لغة كانت فيها أسيرة ثقافة ما تبقى من مخلفات اللغة القديمة ولغة العصور المنقرضة، والملاحظة الأخيرة أن الكتاب ضم مجموعة مقالات ومن الصعب الحكم عليه كوحدة متجانسة ومتكاملة، إلا أننا نلمس فيه التكرار والجامع لهذه المقالات هي ذاتية الكاتبة وليس فقط وحدة الموضوع، وبالتالي هناك ازدواجية في استخدام المفردات “التراثية والحداثية”، ولكن يتبادر إلى الذهن سؤال هام: كيف يمكن لشكل قديم أو مفردات قديمة أن تحتوي موضوعات جديدة؟ ألا يشكل هذا خداعاً وتبايناً في العلاقة بين الشكل والمضمون إلا أن وداد سكاكيني استطاعت التوفيق إلى حد ما بين ازدواجية المفردات من التراث ولغة المعاصرة.

أجناس متعددة
وحسب رأي د. عبد الله الشاهر لا يمكن تجاهل الدور الريادي لسكاكيني من حيث تعدد اشتغالاتها في أكثر من جنس أدبي أو من حيث قدرتها على استثمار مختلف أشكال القول لبيان رأيها وأفكارها في قضايا الحياة، وعن تعدد الأجناس عندها قال: تجلت أعمال وداد سكاكيني من خلال القصة القصيرة، فلها خمس مجموعات قصصية حرصت فيها على الواقعية والتغلغل في أعماق الشخصية وبدت قدرتها على تقديم صوت المعاناة بصدق وعفوية، وحصلت على الجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة التي أقامتها مجلة المكشوف في بيروت وكان عنوان قصتها “الشيخ حمدي”.
في الرواية كتبت سكاكيني روايتها الأولى “أروى بنت الخطوب” وتجاوزت فيها حرفية الواقع وتحررت من السردية الطويلة لكنها بقيت أسيرة المصادفات وبعض المبالغات التي تؤدي بالسرد إلى استطرادات زائدة وبدت لغتها أقرب إلى التقليدية، ولم تصدر مجموعة شعرية إلا أنها كانت تنشر قصائدها في الصحف والمجلات ويكشف شعرها عن انتمائها إلى الاتجاه الوجداني والوله بالطبيعة والامتزاج بمفرداتها.
ولا يمكن التجاهل في النقد الدور الهام الذي نهضت به في محاولات التنظير لقيم وتقاليد في النقد العربي الحديث، حيث تناولت مختلف الأجناس الأدبية الحديثة ولاسيما القصة والرواية والشعر فالحالة النقدية عندها جزء لا يتجزأ من أدبها فهي تنقد بصراحة دون مواربة أو محاباة، وقد يمازج نقدها شيئا من الحماسة والانفعال وبخاصة عندما يكون الأمر ذا مساس بقضية المرأة، أما في مجال الدراسات فقد عالجت قضايا المرأة حيث بدت مدافعة عنها ضد التخلف والتهميش متحدية مجمل ما كان يعترضها في مسيرتها من عقبات من خلال مقالات تتسم بالجرأة والقوة لتشكل رصيداً كبيراً في مسيرتها الأدبية وهو مؤشر واضح على سعة اطلاعها وجلادة عزيمتها وقدرتها على البحث والتقصي.
ما يميز نتاج وداد سكاكيني هو تعدد الأجناس وله ثلاثة أشكال: الأول تفرضه طبيعة الأدب ويغلب عليه ألا يكون مقصوداً من قبل منتج النص لأنه محكوم بالآليات الداخلية للأديب، والغاية من الثاني هو إبراز ملامح النص وإضفاء روح الجدية عليه تكفل له خصوصية في الجنس الذي ينتمي إليه، أما الشكل الثالث فيعد انقلاباً على مبدأ النوع الأدبي ويمثل حالة من تمييع النظام الذي يكتب عليه وربما تكون غايته الوصول إلى نص جديد.

جمان بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات