يا دجلة الخير (2)

 

د. نضال الصالح

في حفل التخرّج الذي أقامته الجامعة، قبل ثلاثة عقود من الآن، حضرت خزامى ملتفة بعباءة فادحة السواد، حرصتْ، كما قالت، على ارتدائها لتجمع بين فرحين: التخرج، وقرار أبيها في العودة إلى بغداد مهما يكن من أمر قسوة الحصار الذي كان العراق يرزح تحت وطأته الغاشمة، وعلى الرغم من أنّ الأسرة وجدت في الشام حضناً رؤوماً كما اعتادت الشام أن تكون، وكان الهواء صاخباً في الحديقة التي أقيم الحفل فيها، وكلّما كان يشتد صخباً كان يعابث العباءة، فيتكشف بعض ما تحتها من القدّ الفتنة الذي طالما كانت تحرص على إخفائه بالثوب الفضفاض الذي لم أر سواه يغطي جسدها حتى نهايته طوال دراستها في الجامعة، في الكلية التي كان سامي يدرس فيها، ولم أكن أعرف سبب إلحاحها على ذلك الثوب إلا في الأيام الأخيرة التي سبقت حفل التخرّج، أعني أنّ السماء تكاد لم تخلق مثله في البهاء حتى لكأنّ صفة “السمهريّ” للقوام الفتنة كان يعنيها، بل لكأنّ الشاعر الذي قال: “يا ذا القوام السمهريّ…” كان رآها بعيني قلبه، فكتب لها رائيته البديعة تلك، ولكأنّ المطرب الذي غنّى ما كتبه ذلك الشاعر كان يغمض عينيه، فيتصوّر قدّاً مثل قدّها، ثم يبدع في الغناء.

وأوّل مرة، ذلك اليوم، سمحت لعينيّ أن تنظرا إلى وجه خزامى، بل ألا تغادراه بعد نظرة خاطفة منه كما اعتدت أن أفعل، وليتني لم أسمح، بل ليت ذلك اليوم، على الرغم من بهجته، لم يكن، إذ لم أكد أفعل، حتى عصفت بي رجفة لم أكن شعرت بها من قبل فيما مضى من حياتي آنذاك، رجفة تشبه انسكاب ماء مثلّج على جسد باهظ الحمّى، وبينما عيناي تتلعثمان بفتنة عينيها صرخت بصوت تسمعه روحي وحدها: “عيون المها بين الرصافة والجسر..”، وكأنّ خزامى أمسكت بلثغ عيني، فهتفت بصوت لا يسمعه سواي: “سامي، أدركْ صاحبك، فقد تخونه قدماه”، وقد خانتني قدماي حقاً، فأسندت ظهري إلى الشجرة القريبة مني، ولحظتها، بل ثانيتها، اتخذت قراراً بألا أرى خزامى بعد ذلك، وشكرت أباها الذي اتخذ قراره بالعودة إلى العراق بعد طول اغتراب، لا لأنني خشيت أن تخونني، ذات عصف من سحرها، قدماي، كما قالت بصوت لم يسمعه سواي، فأجهر لها بأنّ الرسائل التي كان سامي يسلّمها إليها إنّما أنا كاتبها، أو أسقط صريع فتنتها، فأنازع سامي حبّها حتى لو لم تحبّني هي.

بعد ذلك اليوم لم أر خزامى فعلاً على الرغم من أنها لم تغادر وأسرتها الشام  إلا بعده بنحو شهرين لأسباب تتعلّق، كما علمت من سامي، بإذعان أمّها لقرار الأب أخيراً، لأنها كانت تؤثر البقاء في الشام التي شغفتها، وعلى الرغم أيضاً من أنّ سامي كان، بين وقت وآخر، يلحّ عليّ بأن أكون معه عندما يكون على موعد معها.

قبل مغادرة خزامى وأسرتها الشام بيومين تمنّى سامي عليّ أن أكتب رسالة باسمه إليها، رسالة يسلّمها لها في لقائهما الأخير، ويبدي استعداده للموت من أجلها إن هي استجابت لطلبه في البقاء في الشام والزواج منه على الرغم من إرادة أبيها الذي رفض طلبه….. (يتبع).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات