ميزانية ضئيلة للإعمار وخفض النفقات الاستثمارية الموجهة إلى الخاص بات ضرورة

في عالم الاقتصاد والمال يبدو الأمر مختلفاً كلياً عن العوالم الاجتماعية والسياسية، لأن حسابات الربح والخسارة ستظهر لاحقاً مهما طال الزمن، وبالتالي مكامن القوة والضعف ستفضح منفذي الخطط وموزعي الحصص من القائمين على الحكومة، ومن هذا المنطلق يجب تحديد أماكن العائدات والنفقات بدقة متناهية في الميزانية العامة للدولة لسنة سابقة والعناية والتريث في توجيه وترشيد إنفاقها في موازنة العام القادم.

 ومناسبة هذه الرؤية تنبع من تداعيات الأزمة على الاقتصاد السوري والتحول التدريجي نحو المركزية في التسعير الإداري وإعادة العمل بسياسة تحديد أسعار السلع الأساسية والإستراتيجية منها، والتراجع الكبير في الإيرادات النفطية ومشتقاتها والضريبية غير المباشرة والأرباح الريعية، بعد سنوات من العمل بنظام اقتصاد السوق الاجتماعي ومنهج التخطيط التأشيري، فلا بد من إعادة النظر بالموازنة العامة للدولة بحيث تكون أداة جديدة لإدارة الاقتصاد بالتزامن مع منح القطاع العام الاستقلالية والمرونة وتحميل إدارته المسؤولية في عملية التشغيل الاقتصادي وتحقيق ريعية اقتصادية، بسبب توسع دوره التنموي والخدمي على حساب القطاع الخاص ومساهمته المتزايدة في الناتج المحلي الإجمالي.

 الاعتراف بتغير مبادئ الموازنة حقيقة ونتيجة تغير مبادئ الموازنة، يفترض أن تخرج علينا الحكومة ببنود تناسب تلك التبدلات لتبنى عليها الإستراتيجيات المستقبلية والخروج بخطط سليمة لموازنات أكثر موضوعية ودقة، لذلك على الدولة أن تتحكم بموازناتها بما يتناسب مع (إمكانياتها ومواردها وأهدافها)، فلا يمكننا الحديث الآن عن توازن الموازنة أي أن تعادل الإيرادات النفقات، لأن ضغط الإنفاق والترشيد بات أولوية في ظل الظروف الراهنة، كما أن الإيرادات في أدنى مستوياتها والأرقام تتحدث عن ذلك، وبيان الحكومة يشير إلى انخفاض قيمة الضرائب والرسوم بنسبة 29% مقارنة مع موازنة 2013، ففي الموازنة الماضية كانت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 65%، ونسبة الضرائب التي يدفعها 15%، أي إن الضرائب والرسوم التي تدفع لخزينة الدولة تأتي من القطاع العام، وهنا لامناص من خفض الاستثمارات الموجهة إلى الخاص وتغيير وجهتها إلى العام الأكثر مساهمة، وأيضاً الأكثر أهمية في وقتنا الراهن.

وبالتالي لا خيار في تأمين الإيرادات إلا بالاعتماد على إحدى الطرق التالية: الاقتراض الداخلي مثل سندات الخزينة أو شهادات الاستثمار.. إلخ، أو الاقتراض الخارجي رغم ما يسبّبه من مشكلات اقتصادية لاحقة، أو عن طريق الإصدار النقدي الجديد، لذلك ندعو إلى بناء مشاريع لإنتاج السلع الأساسية فقط والخدمية الضرورة جداً، لو كان عن طريق (التمويل بالعجز)، وحتى لو حصل تضخم من جراء زيادة الكتلة النقدية بسبب (ضخ الدولة للنقود)، وذلك لهدفين،

الأول: لفتح فرص عمل لتشغيل الشباب والتقليل من البطالة ما أمكن،

والثاني: لتلبية حاجات السوق من السلع والخدمات الرئيسية الضرورية والمهمة.

 عجوزات تراكمية واقعة؟!

 كما أن العمل بالمفهوم الاقتصادي الراهن الذي يدعى “الموازنة الصفرية” لم يعد سليماً في واقع عجوزات تراكمية (بعد ثلاث سنوات من عمر الأزمة) من خلال نفقات أكبر، مقارنة مع إيرادات محصلة ضئيلة جداً-وتوضيحاً، تعني (الموازنة الصفرية) أي إن قيمة الإيرادات المتحصلة من (الرسوم والضرائب ودخل عوامل الإنتاج.. إلخ) تعادل تماماً النفقات على جانبي (الاستثمار والنفقات الجارية).

ولن نجادل أو نستفسر عن أسباب ارتفاع الإيرادات المقدّرة بمشروع الموازنة، حيث يشير البيان الصادر عن الحكومة إلى أن الزيادة في الفوائض الاقتصادية المقدّرة لجهات القطاع العام الاقتصادي “فائض الموازنة- فائض السيولة”، من مبلغ 342.45 ملياراً في موازنة 2013 إلى 431.5 ملياراً في موازنة 2014، أي بنسبة زيادة 26%، لكن وبحسب القانون المالي الأساسي فالجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، تحتفظ بفائض السيولة لاستخدامه في مشاريع الاستبدال والتجديد بشكل تراكمي، أي إن الغموض مازال مجهولاً ومن الصعب التكهن بما يمكن تحصيله ومن ثم اعتماده نهائياً للإنفاق من إجمالي قيمة هذه الواردات؟!.

 وفي سياق الحديث عن المبادئ العامة للموازنة -كما نشير دوماً من خلال واقع الحالة الاستثنائية التي تمر بها البلاد- لا نستطيع العمل بمبدأ شمول الموازنة لكل أنشطة الدولة، لأن نشاطات عدة تراجعت مساهمتها ودورها الاقتصادي، ومن البديهي ألا تضخ فيها كتلة نقدية كالتي كانت ترصد سابقاً فيها سواء للاستثمار أو حتى بغاية الدعم، والأجدر توظيفها في جهات برزت أهميتها ودورها جراء الأزمة، كتوجيهها لتوسيع نشاط مؤسسات التدخل الإيجابي ومؤسسات التجارة الخارجية وتوزيع المشتقات النفطية والحبوب والمطاحن.. الخ، والتقليل ما أمكن من دعم قطاعات ذات طابع سياحي أو ترفيهي أو السلع والخدمات “الكمالية”، باحتساب أن الأزمة وتجلياتها ستستمر أكثر من سنة كاملة، وقد يكون من هذا المنطلق توجيه الحكومة بضرورة إضافة نحو 860 مليون ليرة كمبالغ إضافية لعدد من الوزارات والجهات التابعة لها بعد صدور قرار المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وكان النصيب الأكبر لصالح “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك”، ورغم ذلك يجب مضاعفة هذا المبلغ خمسة أضعاف قياساً بالمهام المناطة بها لاحقاً.

 إنفاقات وإيرادات مبهمة

 وبالعودة إلى ما تمّ اعتماده، فقد قُدّر المخصص للعمليات الاستثمارية بمبلغ 380 مليار ليرة، بزيادة قدرها 105 مليارات ليرة عن موازنة عام 2013، من إجمالي الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2014 المقدّرة بـ 1390 مليار ليرة سورية، وبحدّ ذاته مشروع الموازنة لم يشر صراحة، هل نسبة من هذه الاستثمارات موجهة للإسكان أو ترميم ما هدم من بنى تحتية ومرافق خدمية كالاتصالات.

 وما كان منتظراً أن يخفض المخصّص للعمليات الاستثمارية أو تساوي ما رصد لذلك سابقاً على أبعد تقدير، وأن يعود المعتمد لصالح جانب الإنفاق على الإعمار، وتعويض الأضرار الذي كان ضئيلاً جداً لم يتجاوز 50 ملياراً رغم حجم الدمار والخراب الهائل، وكانت كافة التوقعات تعتقد بتخصيص ما لا يقل عن 100 مليار لهذا المجال، ورفعت تقارير دولية من حجم تقديرات إعادة الإعمار إلى نحو 60 مليار دولار (9 آلاف مليار ليرة بسعر السوق السوداء).

 في حين كان تقدير نفقات الدعم الاجتماعي بمبلغ 615 مليار ليرة بزيادة قدرها 103 مليارات ليرة عن الاعتمادات المخصصة لهذا الدعم من موازنة العام الحالي، أكثر من جيد، رغم اعتقادنا بحجم نفقات أكبر من ذلك ستضعه الحكومة بالحسبان دون أدنى شك، ومن الضرورة إذا تطلب نفقات أعلى أن تؤمن نفقاته الحكومة وبأقصى سرعة ممكنة حتى لو اضطرت إلى الاقتراض من الخارج، نظراً لما له من أهمية في مثل هذه الظروف، ونأسف هنا التأكيد على تهميش قضية كانت تؤخذ بالحسبان في الموازنات السابقة، ألا وهي مقدار تنفيذ الموازنة مقارنة مع ما تمّ إنفاقه فعلياً إلى المقرّر مسبقاً، وكذلك ما تمّ تحصيله لاحقاً مع ما تمّ تقديره مسبقاً، على اعتبار أن هذه المقارنة فقدت دلالاتها الاقتصادية، وأصبحت أولوية تلبية متطلبات لاغنى عنها –نتيجة التحديات المستجدة- تفوق أهمية موضوع “معرفة الدقة في تقدير الإيرادات والنفقات ذات الأهمية في إعداد موازنة السنة التالية” المعمول بها في أوقات السلم والرفاهية.

 سياسة شد الأحزمة

 ونقترح هنا تأمين السيولة لتلبية الدعم الاجتماعي من خلال ضبط الإنفاق العام وخاصة الجاري منه لأقصى حدّ ممكن “سياسة شد الأحزمة” عبر ترشيد إنفاق الإدارة الاستهلاكي والحدّ من الهدر، على سبيل المثال الحدّ من استخدام السيارات العامة لغير دواعي العمل، ومن مستلزمات واستهلاكات الوزارات والإدارات والمديريات والمؤسسات التابعة لها بكل ما يتعلق من مياه وكهرباء واتصالات وغيرها وخصوصاً ذات الطابع الإنتاجي والخدمي غير الهامة لمثل هذه الظروف.

  ونوصي بإنهاء الدعم بكل أشكاله وتحويله إلى دعم هادف لصالح مستحقيه من أصحاب الدخل المحدود، وإيقاف الإعفاءات الضريبية التي ضيعت المليارات من الليرات كان بالإمكان تحصيلها وضخها في الإعمار والدعم الاجتماعي الكلي، والتركيز على إجراء إصلاحات هيكلية في نظام الضرائب وصك قوانين رادعة بحق المتخلّف عن تسديد الضرائب المستحقة عليه لما لهذا الجانب من أهمية في السنوات القادمة، ونخصّ بالذكر نظام ضريبة الدخل، كما أن المستوى المعيشي والسير باتجاه اعتماد سياسة تحديد هوامش الأرباح على سلع عديدة كانت محررة سابقاً تفرض تخفيضاً في ضرائب الإنتاج والاستثمار لرفع القدرة الشرائية للمواطن وتحفيز المستثمرين “منتجين وموردين” على تأمين مواد أساسية وإستراتيجية، ونعتقد جازمين أن السياسة المالية والنقدية يجب أن تصبّ في هذا السياق مع العمل الدؤوب والمستمر للحفاظ على استقرار سعر صرف ثابت، مع التنويه بأنه كان يُشار في كافة الموازنات السابقة  إلى متوسط سعر الصرف المستند إليه بينما أُغفل ذكره في موازنة عام 2014؟!.

البعث ميديا – البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.