هل يقلب التقارب المصري الروسي المشهد في المنطقة ؟؟

منذ زمن 99 % من أوراق اللعبة فى أيدى أمريكا غابت موسكو عن المشهد المصري وتعاظم الحضورالامريكي في حياة مصر السياسية والاقتصادية والعسكرية الى حد التبعية شبه التامة لواشنطن وجاء الحكم الإخواني برئاسة مرسي ليكرس هذه التبعية بصورة شبه مطلقة لكن الغضب الشعبي المصري المتراكم جراء ذلك أنفجر في 30 يونيو الماضي فقطع الطريق على الاخوان للمضي في وضع مصر داخل القفص الامريكي الاسرائيلي وجرت الرياح بسرعة و بما لاتشتهي السفن الامريكية وبدأت الامور تخرج شيئا فشيئيا من قبضة واشنطن وبدا الرفض المصري عارما لسياسة التبعية والالحاق وتصغير مصر وتهميش دورها العربي والاقليمي وبرزت الروح الاستقلالية والوطنية المصرية تتوهج وتسيطر على المزاج العام كما انطلقت مشاعرالكبرالقومي المكبوتة التي حركت جماهير الامة العربية في حقبة الخمسينيات الناصرية ..
إن دعم الولايات المتحدة للإخوان وتقليص المساعدات العسكرية، دفع السلطات الجديدة في مصر إلى اللجوء إلى الحليف السوفياتي القديم، وسبق أن أكد وزير الخارجية المصري نبيل فهمي أن القاهرة تسعى إلى تنويع علاقاتها العسكرية بما يخدم مصلحة الأمن القومي وكتب احد الصحفيين المصريين سلسلة مقالات بعنوان: «الروس القادمون»، ليس فقط لأن وفدا روسيا رفيع المستوى سيزور مصر ولكن لأن الروس قد أصبحوا رقما فاعلا فى المعادلات «الأوراسية» ( نسبة لأوروبا وروسيا) و«الإقليمية العربية» والدولية «على المستويين الاقتصادى والسياسى، لقد باتوا قادمين بالفعل وحاضرين بقوة وقوة لا يمكن «غض البصر عنها»، ومن ثم يجب تعظيم هذه الزيارة، وفهم طبيعة روسيا القادمة الجديدة / القديمة.
ويضيف روسيا القديمة/ الجديدة..  لماذا نكرر هذه العبارة؟.. ذلك لأن فهم تاريخ روسيا يشير إلى أنها على مدى تاريخها كانت تسلك سلوكا يتجاوز سلوك الدول ذات الطموحات المحدودة، فقدر روسيا التاريخى فرض عليها أن تكون دوما متجاوزة حدودها وتلعب دورا «عابرا للقارات»، فمساحة روسيا تبلغ 17 مليون كلم2، وهى الأكبر على الإطلاق، أكبر بنحو ضعفين من أكبر ثلاث دول فى العالم، وهى الولايات المتحدة، وكندا، والصين، حيث مساحة كل منها أقل من 10 ملايين كلم2، وتنفرد روسيا بين سائر الدول بكونها موزعة بين قارتين هما: آسيا وأوروبا، لذا توصف دوما بأنها «أوراسيا».. بالإضافة إلى ذلك حجم ثرواتها الطبيعية الكبير. وأخيرا «الشعب» الروسى الذى يعتبر بحسب الاستراتيجيين الروس: «مركز التصور الجيوبوليتيكي» أو اللاعب الكبير فى دعم روسيا العظمى إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المركبة الاستراتيجية، خاصة أن المقولة السائدة فى الوجدان والذاكرة الروسية من جهة، وعنوان المستقبل أنه: ” لا معنى لروسيا بدون إمبراطورية ”
لقد كان تسليح الجيش المصري يعتمد 90 في المئة منه على الولايات المتحدة و في حال اتجاه مصر نحو التسليح الروسي،  ستكون  خطوة صحيحة متعلقة بمستقبل مصر ومصلحتها، وهو ما كان يجب فعله منذ 30 عاماً ليس فقط مع روسيا ولكن مع كثير من دول العالم لتنويع مصادر سلاحها حيث يمكن لمصر إقامة علاقات عسكرية جيدة معها لأنه لا يجب ”وضع كل البيض في سلة واحدة ..”
على اية حال لم تستطع ادارة اوباما ان تقف متفرجة تجاه خطوات التقارب مع روسيا، وظهر جليا ان الولايات المتحدة انزعجت من هذا التقارب، وبدأت في إعادة التفكير في موقفها الأخير من مصر، ولذلك أرسلت وزير خارجيتها جون كيري على جناح السرعة للتأكيد على دعم بلاده لمصر وقوله  ان العلاقات المصرية الأمريكية قد تعود إلى طبيعتها في فترة لاحقة لكن الزيارة باءت بالفشل ولم يخدع النظام المصري الجديد بالاغراءات الامريكية واصر على التحرر من التبعية والهيمنة الامريكية واتخاذ خطوات مستقلة ومنها اعادة الحياة للعلاقات المصرية الروسية وحتى لوعادت الحرارة للعلاقات بين مصر وأمريكا مرة أخرى, فإن أمريكا ستضع فى اعتبارها أن العالم لن يتوقف عندها, وأنها ستدرك أن مصر قادرة على الاستغناء عن معوناتها الملغومة ..
وبتصوري ان هناك نتائج هامة ستترتب على التقارب المصري الروسي وخاصة في حال اكتماله يمكن لها ان تقلب موازيين القوى في المنطفة وتعطل مفاعيل الحسابات الامريكية ومن اهمها :
1- دخول مصر ودول المنطقة فى مرحلة عالم متعدد القوى والاقطاب بما يؤذن بنهاية عصر احادية القطب الذي تحكمت فيه الولايات المنحدة الامريكية بالعلاقات الدولية .
2- خروج تدريجي من اطار الهيمنة الأمريكية ليس فقط بالنسبة لمصركأكبر دولة عربية مؤثرة وانما بالنسبة لغالبية دول المنطقة ايضا .
3- تراجع دورالإدارة الأمريكية في فرض املاءاتها على الآخرين وسقوط أغلب مشاريعها التى تعتمد على التقسيم الطائفي والمذهبي والعرقي للمنطقة .
4- توقع انفتاح العالم العربي و الإسلامي على روسيا و الصين بعد دخول الصين كشريك سياسي و داعم لسياسيات روسيا الخارجية بالاضافة الى الهند ودول البريكس الاخرى.
5- تبدل المشهد نحو بداية نهاية الفوضى المدمرة  الامريكية  فى الوطن العربي اذا ما تمكنت موسكو من النجاح في حشد دعم مصري وإقليمي لها في المنطقة لضمان نجاح مؤتمر جنيف2بعيدا عن املاءات واشنطن .
واخبرا يمكن التكهن في سياق الابتهاج الشعبي المصري الواسع بزيارة الوزيريين الروسيين ان نشهد عودة العلاقات المصرية الروسية إلى عصرها الذهبي الذي كانت عليه في الخمسينيات عندما كان “الاتحاد السوفيتي سابقًا” حليفًا وثيقًا للزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي يفاخر به قطاع عريض من المصريين ويراه بطلاً قوميًا استطاع تحدي الغرب ومطامعه الاستعمارية حتى وفاته عام 1970. لذا فالتقارب المصري- الروسي الحالي قد يكون أمرًا محببًا وجاذبا للمصريين الذين يدعمون الآن الفريق أول عبد الفتاح السيسي كونه يعيد لأذهانهم زمن عبد الناصر الذي كانوا يملكون فيه حق تقرير مصيرهم وقرارهم الوطني المستقل دون تدخل أجنبي ولم تستطع فيه الولايات المتحدة ان تفرض ارادتها اوتلحق مصر بسياساتها ومشاريعها في المنطقة..

البعث ميديا ||  د.تركي صقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.