مؤتمر جنيف2.. والقراءات الخاطئة

بدأت تظهر في وسائل الإعلام تصريحات صحفية من هنا وأخرى من هناك تتحدث عن مؤتمر جنيف2 وعن عملية انتقال السلطة وإنشاء حكومة موحدة بصلاحيات كاملة وغيرها من التسريبات الإعلامية الموجهة باتجاه محدد، منها ما صدر عن جهات عربية أو دولية أو من بعض الشخصيات التي تُسمي ذاتها  بـ”المعارضة ” وغيرهم، وقد جاءت بمجملها مُجافيةً للحقيقة وبعيدة عن الواقع الذي سيُعقد عليه المؤتمر الدولي، وهي تُعبر عن قراءات خاطئة لمهمة مؤتمر جنيف2 المخصص للبحث في الأزمة السورية ومنعكساتها على الساحة الدولية ، ودوره في وضع تصور لآلية الحل السلمي المنشود من جهة، وتحديد الأسس التي يتفق عليها المجتمع الدولي لمواجهة الإرهاب الدولي المتنامي من جهة أخرى، لذلك تحدث الأمين العام للأمم المتحدة “بان كيمون” عن أن العنوان الأساسي للمؤتمر سيكون “مكافحة الإرهاب ” من خلال تأكيده على أن نص الدعوة سيتضمن إشارة واضحة إلى مكافحة الإرهاب وهذا يُعد إقراراً بمواقف دمشق التي طالما أكدت أنها تخوض حرباً ضد الإرهاب ، بينما إذا كان المقصود من تصريحات الآخرين الخلبية إعطاء شحنة معنويات إضافية لما تُسمى “بالمعارضة السورية” وأدواتها الإجرامية التي تواجه الهزيمة المؤكدة على الأرض أمام قوة ضربات الجيش العربي السوري البطل، وجرعة تطمينات وهمية من أجل دفع العصابات الإرهابية لرفع وتيرة الأعمال الإجرامية على الأرض من أجل مكاسب سياسية معينة ، ومحاولة لإيجاد تركيبة موحدة للمعارضة – وهذا من سابع المستحيلات – لشغل الكراسي التي حجزتها لها الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها أحد راعيي المؤتمر ، فجميع هذه البيانات والتصريحات لا تخرج عن كونها فقاعات لا قيمة فعلية لها في الواقع ، وهي من ضمن بروبغندا التضليل وصناعة الأوهام التي اعتمدتها القوى المعادية لسورية على مدى عمر الأزمة ومنذ بداياتها .

  لقد أكدَّت الحكومة السورية بكل صراحة بأن وفدها ذاهب إلى مؤتمر جنيف2 في الثاني والعشرين من الشهر القادم وفي جعبته بنود محددة تهدف إلى فتح محاور أساسية وعريضة للحل السلمي للأزمة ، في مقدمتها وضع أسس دولية ثابتة وواضحة لمحاربة الإرهاب الدولي العابر للحدود ، وتحميل الدول الراعية له مسؤولياتها القانونية ، وإلزامها بوقف الدعم المادي والعسكري بكل أشكاله وإغلاق جميع منابع الإرهاب و مصادره ، واستصدار قرار دولي واضح يعترف بمشروعية الدور الذي تقوم به الحكومة السورية وجيشها الوطني الباسل في حربها على الإرهاب من أجل القضاء عليه كهدف دولي مشترك ، وبضرورة مساندة المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة ومجلس الأمن لسورية في حربها العادلة ضد الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنتمي إلى تنظيم القاعدة الإرهابي وفروعه في المنطقة  .

  إن تطور الأحداث على الساحة السورية ، وتعرف السوريون عن قرب على أهداف وطبيعة المجتمعات التي تسعى الجماعات الإرهابية التكفيرية للوصول إليها ، غير المزاج الشعبي العام ليس في سورية وحدها ، بل كذلك في المنطقة والعالم لما نشرته وسائل إعلامهم هم من أعمال إجرامية يندى لها جبين الإنسانية وما قاموا به من ممارسات وفظائع وقتل وتنكيل بالآخرين بطرق وحشية أكدت بمجملها بأن الإرهاب لا لون له ولا دين ولا جغرافيا محددة ، وإن أهدافه الرئيسية تخريب الدول المدنية وتدمير مقومات الحياة المشتركة فيها  ولذلك بدأت الحكومات الوطنية في أغلب دول العالم بالتنبه إلى الخطر القادم إليها نتيجة انتشار ظاهرة الإرهاب ووجود دول وممالك ترعى هذه المجموعات التي أصبحت من القوة والحجم ما يُشكل خطراً فعلياً على مستقبل الدول الحضارية ، لهذا بدأت دول العالم تضع خططها وأجنداتها الخاصة لمحاربة الإرهاب الوافد الذي يُمكن أن يُصيبها في أية لحظة ، وهذا ما أدى إلى فرض مفاهيم ورؤى جديدة على الساحة الدولية ، بما فيها الدول الإسلامية المتحضرة التي وجدت لزاماً عليها التأهب لمحاصرة الإرهاب ومحاربته ومنع انتشاره ، وهذا مؤشر جديد لفشل سياسة الولايات المتحدة والدول التابعة لها في استثمار التنظيمات الإرهابية لتحقيق أجندات وأهداف استعمارية محددة ، وكان للصمود السوري الأسطوري ونجاح الجيش العربي السوري البطل في مواجهة هذه الجماعات التكفيرية والقضاء على عدد كبير منها دور أساسي في تغيير قواعد اللعبة الدولية وإنهاء عهد القطب الواحد الذي أثبت عدم استمرار صلاحيته للمرحلة القادة .

 لهذا كله تأتي مهمة ودور مؤتمر جنيف2 بضرورة الخروج بقرارات وتوصيات مهمة لحل أكثر الأزمات الدولية تعقيداً وترابطاً في زمن تغليب لغة السياسة على الرصاص وتراجع فكرة الحرب ، وإعطاء الدبلوماسية دورها الطبيعي في خلق أجواء الحل ومن ثم فرض المناسب الذي يُلبي طموحات الشعوب ، من هنا كانت الحكومة السورية تؤكد في كل مرة على أن أي أمر يخص مستقبل وحياة الشعب السوري ونوع نظامه ومن هم قياداته المستقبلية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الشعب السوري وحده ، وهو لم ولن يقوم بتوكيل أياً كان في هذا العالم بهذه المهمة ، وأي كلام آخر عن عملية انتقالية أو عملية تسليم السلطة أو غيرها من التسريبات الإعلامية لا معنى لها في المعادلة السورية ولا تصريف لها في الأجندة السياسية السورية ، وإن صناديق الانتخاب وحدها هي التي تحدد كل هذه التفاصيل والجزئيات التي تخص حياة ومستقبل السوريين ودولتهم المنشودة .

 وبقدر ما تؤكد الحكومة السورية وقيادتها السياسية على ضرورة الحل السلمي للأزمة عبر طاولة الحوار الوطني ، فهي مطمئنة لنهاية حربها على الإرهاب خلال أجندة زمنية محددة ، كما أنها واثقة من قدرتها على إنجاز إعادة بناء سورية الحديثة وفق أسس وعوامل ثابتة تُلبي طموحات وحاجات الأغلبية الواسعة من الشعب السوري .

محمد عبد الكريم مصطفى

Email: Mohamad.a.mustafa@Gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.