بين البزنس والقرصنة..؟؟

 ضاع صراخ المحذّرين من طفيلية حاملي لقب رجل أعمال في سورية، على مرّ سنوات خلت، وانكفأ رافعو البطاقات الحمر أمام هدير تصفيقٍ ألهب أكفّ المصفقين، احتفاءً بولادة مصطلح “القطاع الوطني” على صفحة جديدةٍ من تصالحٍ وتكافل، يشبه الحلم الجميل الذي يصدقه بعضهم أحياناً، فيما يدرك آخرون أن أضغاث الأحلام ليست حقائق في أعراف العقلاء. إلّا أنَّ سنوات الانفتاح تكفّلت بـ “رجمنا” حتى التوجُّع، بمتوالية جامحة في أعداد خريجي مدرسة قطاع الأعمال على الطريقة السورية، وكانت النتيجة كمّاً، يُخيّل معه لمن يجهل التفاصيل الداخلية للمشهد، أن بلدنا لن يتأخر كثيراً ليسخر من إمكانات معظم دول الاقتصادات الناشئة، خصوصاً وأن من قذفتنا الأقدار ونفحة العولمة الاقتصادية بهم كرجال أعمال، معظمهم ناجحون بامتياز في اختبارات البريستيج وطلاقة اللسان والذاكرة الحافظة لأكبر قدر من المفردات ذات الدلالة الوطنية..!!

ولِِما لا  في زمن أثبتت الوقائع أن رجل الأعمال ثروة وطنية، كما المعادن النفيسة، والميْزات المطلقة التي تكترث لها الأدبيات الاقتصادية كثيراً؟؟ أليس لبيرلسكوني اسم ضامن لإيطاليا في الأسواق العالمية قبل أن يكون رئيس وزراء وقبل فضائحه الأخيرة..؟؟ أليس لعائلة فورد الأميركية صدى يتردد في أصقاع الكون..؟؟ ثم أليس في معظم الدول التي حجزت مطارح رحبة لها على خارطة “البزنس” العالمية، رجال أعمال أشهر من الساسة في بلدانهم..؟؟ ربما من هنا كان من أغواه مشهدنا معذوراً في نبوءاته المتفائلة بشأن أفقنا الاقتصادي.

أما من جهتنا نحن فلم تكن المسألة بحاجة لأزمةٍ كأزمتنا الراهنة، لنكتشف أن من استُنسخوا بيننا من امتيازيين وجوّابي آفاق وتجار “شنطة” ليسوا رجال أعمال رغم ياقاتهم البيضاء وتنكرهم بأدوات الاستعراض الأجوف، لكن أخذتنا اللهفة للانتعاش السريع، ومواكبة سوانا ممن سبقونا بأشواط رغم إمكاناتهم التي لا ترقى لما لدينا من موارد، فاخترنا أن نقنع أنفسنا بأن في ديارنا رجالات أعمال، وكابرنا ولم نتراجع، عندما راعنا أننا مُنينا بأصحاب بطون وجيوب لا تشبع، لا يعنيهم الاستثمار في سورية، عندما تتاح لهم فرصة استثمار سورية بلا رأفة ولا شفقة..!! ولم نغير رأينا عندما اكتشفنا أنهم أغرقونا في دوامة ريعية كادت أن تودي بنا وباقتصادنا وبمجتمعنا..!!

لكن مسلسل الانكشاف والفضائح بدأ منذ أول ثلاثة أشهر من دخول البلد في نفق الأزمة، وكانت وصمات هروب مدعي الملاءة ومنتحلي الألقاب الفضفاضة، مفاجأة صدمت من صدقوا الكذبة، وصادقت على تحفظات من كذّبوا ادعاءات البزنس في أوساط الأعمال السورية. الآن وصلت درامية المفاجآت إلى فصل صاخب يشي بأن أكبر رجالات القطاع هارب من التزامات مصرفية محلية، وبأرقام بمئات ملايين الليرات السورية..!!

ثلاثة من الطامحين لحجز موقع مرموق على القائمة السنوية التي تعلن تراتبية أغنياء العالم، أحدهم مستثمر عابر للحدود، والثاني استطاع “تفصيل” قرارات الحكومة السورية على قياس مصالحه يوماً، والثالث “بسطجي” في إحدى دول الخليج عاد إلينا واستقبلناه في نادي كبار رجال الأعمال، والثلاثة أداروا ظهورهم للبلد المأزوم بعد أن أكلوه لحماً واستعدوا لرميه عظماً..؟؟!

أمام هكذا حقائق تبدو المفاجأة الأهم، التي علينا الاعتراف بها هنا، هي أن معظم رجال الأعمال الذين آثروا البقاء، والظهور بأياديهم البيضاء، لم يكونوا في قوام “ثلّة” رجال الأعمال المقيمين في غرف العناية الحكومية الفائقة يوماً..!!

قد تكون الأزمة فرصة لن تتكرر لإعادة بناء قطاع أعمال وطني، خالٍ من خصلة الطفيلية الجريئة حتى الوقاحة، وأغلب الظن أن لفح النيران التي أصابتنا تكفل بكشف معادن الرجال، وسنتابع كيف ستتعاطى حكومتنا مع المعطيات الجديدة بما أن الحديث عن مجالس رجال الأعمال عاد إلى الواجهة هذه الأيام..؟؟

ناظم عيد-البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.