عمال النظافة: استهزاء وابتزاز لنا ونقابتنا آخر من يعلم

وجوههم المتعبة البائسة وملابسهم الرثّة هي أول ما يسترعي انتباهنا، لا تحزنهم متاعب وهموم العمل بقدر ما تحزنهم نظرة الناس تجاههم، التي يغلب عليها التعالي والعجرفة، وعندما التقيناهم وتحدّثنا إليهم لنتعرّف على مشكلاتهم والصعوبات التي تعترضهم في العمل، قابلَنا الكثير منهم بلطف وابتسامة، ربما كتعويض عن الظروف القاسية التي يعيشونها، أو كحالة معاكسة لما يلاقونه من قبل بعض الناس، إنّهم عمال النظافة والعتالة الذين يجتهدون في تنظيف شوارعنا وحمل أغراضنا.

وفي بداية حديثنا مع العشرات من هؤلاء “المعتّرين”، كان السؤال الأول الذي طرحناه عليهم هو عن مدى علمهم بوجود نقابتيْ “عمال الدولة والبلديات”، “عمال العتالة والخدمات” اللتين تمثّلانهم وتنطقان بلسانهم، فكان الجواب كما توقعنا “لا علم لنا بهما ولا نعرف عنهما شيئاً”.

يذكر أنَّ تلك النقابتين تتبعان للاتحاد المهني لنقابات عمال الخدمات العامة، الذي يتبع بدوره للاتحاد العام لنقابات العمال.

“البعث” التقت رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال الخدمات العامة السيد نبيل العاقل، وعرضت عليه شكاوى عمال النظافة وعتّاليْ الشوارع، والمعاناة التي يكابدونها في العمل.

مصاعب بالجملة

البداية كانت مع عمال النظافة الذين أشار العديد منهم إلى ضعف وعي المواطن بشأن موضوع النظافة، وإلى تقصير وسائل الإعلام في هذا الجانب، ففي الكثير من الأحيان يضيع جهد وعناء العامل عبثاً، بسبب إلقاء العديد من الأشخاص لمخلّفاتهم وأنقاض الأبنية في الطرقات بدلاً من الأماكن المخصصة لذلك، إضافةً إلى القصّابين وبائعيْ الخضراوات والفواكه الذين يرمون الأوساخ والفضلات في الشارع، بعيداً عن أيّ شعور بالمسؤولية أو إحساس بتعب العامل.

العامل محمد تحدّث عن توقف بعض الميزات التي كان يحصل عليها عمال النظافة ومراقبو العمل إضافةً إلى سائقيْ الشاحنات، فالعامل كان يحصل سابقاً على 3 زجاجات حليب أسبوعياً، كما أنَّ المراقبين وسائقيْ الشاحنات كانوا في السابق يحصلون على طقم ومعطف شتويين.

 أمّا العامل أحمد فقد لفت إلى تعرّض الكثير من العمال للابتزاز المادي من قبل بعض المسؤولين عنهم كلما طلبوا الحصول على إجازة، وأنَّ عدداً من المراقبين ينقلون بعض عمال النظافة إلى شارع معروف عن أصحاب المحلات فيه توزيع الإكراميات عليهم مقابل المال، مضيفاً: والأمر المثير للسخرية والاشمئزاز أنَّ عدداً من عمال النظافة في إحدى المحافظات الشرقية، اضطروا لدفع 200 ألف ليرة كي يحصلوا على فرصة العمل هذه، إنَّ هذا المبلغ لا يتناسب مع هذه الوظيفة المتواضعة، لكنَّ العامل يُجبر على دفعه بسبب ندرة فرص العمل.

بدوره العامل مصطفى أكد أنَّ مبلغ “طبيعة العمل” نقص في الآونة الأخيرة، فعامل الفترة الصباحية كان يحصل على 80 % ، لكنَّ هذا المبلغ تدنّى إلى 59 % ، بينما عاملو/ فترتيْ الظهيرة والمسائية فقد أصبحوا يتقاضون 75 % بعدما كانوا يحصلون على 100 % ، إضافةً إلى أنَّ هذا المبلغ لم تشمله الزيادة الأخيرة للرواتب، وفي موضوع آخر أشار إلى افتقاد عمال النظافة لوسائل النقل أسوة ببقية موظفيْ الدولة.

من جانبه العامل حسن قال: عندما نعمل في الأعياد والعطل الرسمية نحصل على يوم عطلة “بدل” عن عملنا في تلك الأيام، لكنْ في بعض الأحيان عندما يكون هناك ضغينة بين العامل والمشرف عليه، يُعتبر الغياب في يوم “البدل” غير مبرر، وفي نهاية العام إذا كانت مدة الغياب عن العمل 40 يوماً يُفصل العامل حتى لو كان مثبّتاً لدى الدولة، ولا يتم تعويضه مادياً.

بتلك الجُمل تلخّصت إلى حدٍ ما الصعوبات التي يواجهها عمال النظافة، أمّا عمال العتالة العاملون في الشوارع فقد اشتكى جميع من التقينا بهم من قلّة فرص العمل، ومن أنّهم يعملون يوماً أو يومين في الأسبوع على أقصى تقدير.

واعتبر العامل عبد الرحمن أنَّ العتّالين لو توفّر لهم عمل في محافظتهم لما ذهبوا إلى محافظة أخرى وعملوا في هذه المهنة، وأنّهم كانوا سيعملون في الزراعة – كونهم أتوا من أرياف المحافظات- لو كانت الظروف تسمح بذلك، وتابع: لم نتمكن من العمل في الزراعة بسبب أنَّ تكاليفها هذه الأيام أصبحت تفوق مردودها المادي، فضلاً عن أنَّ معظم العائلات تملك عدداً قليلاً من الدونمات التي لا تكفي لإعالتها، نظراً للعدد الكبير لأفرادها، وما نتمناه من الحكومة هو الاستفادة من أراضي البور المملوكة للدولة  واستصلاحها، حتى لا تبقى دون فائدة تُرجى منها، وكي لا نضطر للعمل في العتالة.

بينما رأى العامل عامر أنَّ بعض الزبائن مازالوا يدفعون أجراً للعتّال يعادل الأجر المدفوع قبل الأزمة، رغم أنَّ كلّ شيء ارتفع ثمنه بسبب الظروف الراهنة، مستغلين العدد الكبير للعتّالين وظروفهم السيّئة، فعامل العتالة عندما يرفض الأجرة المعروضة عليه التي لا تتلاءم مع الجهد المبذول ولا مع الأسعار الراهنة، يقول له الزبون إذا لم تقبل بما أعرضه عليك فهناك أشخاص كُثر سيرضون.

من جهته أضاف العامل زيد بأن الكثير من الأشخاص ينظرون إلى العتّالين باحتقار وازدراء وكأنّهم مواطنون درجة ثانية، مؤكداً أنَّ وضع العتّال العامل في الطريق إذا استمر كما هو حاصل الآن، فسيعمل ابنه وحفيده في هذه المهنة يوماً ما، كما حدث مع العديد من عمال العتالة، خاصةً وأنَّ الكثير منهم عندما يقطنون في محافظة أخرى، يتعذّر عليهم إيجاد عمل غير العتالة.

غياب وبُعد

هذه الهموم والمشكلات التي تواجهها هاتان الفئتان من العمال، وضعناها بين يديْ رئيس الاتحاد المهني لنقابات عمال الخدمات العامة نبيل العاقل، وتحدّثنا معه أولاً عن ملف عمال النظافة، وسألناه عن سبب الغياب الكبير لنقابة “عمال الدولة والبلديات” عنهم، الذي اتضح من خلال جهل عمال النظافة الذين التقينا بهم -وهم كُثر- لوجودها، فأجاب: إنَّ عمل النقابة في جميع محافظات القطر يتّسم بالفاعلية، لكنَّ العلاقة المباشرة لعامل النظافة هي مع اللجنة النقابية الموجودة في مبنى المحافظة، لذلك هو لا يعرف شيئاً عن النقابة، لكنّه يعلم أنَّ هناك لجنة نقابية تعمل على حل المشكلات والصعوبات التي يتعرّض لها هو وزملاؤه في العمل، إنَّ هذه النقابة موجودة في كلّ محافظة من محافظات القطر، لكنَّ المرجع الأساسي لعامل النظافة هو اللجنة النقابية.

 وهنا قلنا لـ العاقل مجدداً “لو كان الدور الذي تقوم به نقابة عمال الدولة والبلديات فعّالاً ومؤثّراً، لكان عامل النظافة علم بوجودها على الأقل، وقد ردّ: إنَّ النقابة تتمتع بالفاعلية والتأثير من خلال متابعتها شكاوى العمال، إلا أنَّ العلاقة المباشرة لعامل النظافة وتواصله اليومي هما مع اللجنة النقابية وليس مع النقابة، وهذه اللجنة إنْ لم تقم بحل مشكلة العامل فمن الواجب عليه أن يُطلع النقابة أو اتحاد عمال المحافظة أو الاتحاد المهني والاتحاد العام عليها، فأبوابنا مفتوحة للجميع.

وحول الحقوق التي تضمنها النقابة لعامل النظافة وتوفّرها له رأى أنَّ الظروف التي يعيشها الوطن تحتّم على الجميع التقليل من مطالبهم وحقوقهم، وأنَّ النقابة -قبل الأزمة- كانت تتابع موضوع التعويضات المالية لعامل النظافة ومكافآته وحوافزه، مواصلاً: يتمتع عامل النظافة بالتأمين الصحي فهو يحصل على حسم 10 % من قيمة المعاينة، إضافةً إلى حسم 10 % من قيمة الوصفة الدوائية، كما أنّه يشترك في صناديق المساعدة الاجتماعية التي يستفيد منها في حال الوفاة، المرض، الاستقالة، الزواج، الولادة، وعندما يبلغ العامل سنّ التقاعد يحصل على مبلغ معيّن من النقابة، يستفيد منه في نهاية خدمته.

استقالة قبل البدء في العمل؟!!

وبالنسبة للجهة التي تمثّل عمال النظافة الذين يعملون في القطاع الخاص، فقد أشار إلى أنَّ نقابة عمال الدولة والبلديات هي التي ترعى مصالحهم، وأنَّ هناك لجاناً نقابية مسؤولة عنهم، وتابع: إنَّ النقابة تهتم بمصالح العامل في القطاع الخاص كاهتمامها بمصالح مثيله في القطاع العام، لأنّه أكثر تعرّضاً للإجحاف بحقه، فمثلاً بموجب المادة 17 في قانون العمل يستطيع مالك المؤسسة أو الشركة في القطاع الخاص إنهاء عمل العامل لديه متى أراد، نتيجةً للصلاحيات الواسعة التي تمنحها هذه المادة له، إذ يقدّم العامل استقالته قبل مباشرته العمل، من أجل ذلك يعمل الاتحاد العام لنقابات العمال على تعديل هذه المادة، بالتنسيق مع رئاسة مجلس الوزراء والوزارات ذات الشأن، مثل وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية. وعندما سألنا العاقل عن سبب صدور هذه المادة ما دامت تشكّل ظلماً للعامل، وتسمح لرب العمل بالاستغناء عن خدماته في أيّ وقت يريد، وعن دور الاتحاد في منع صدورها وإلغائها أو تعديلها وفقاً لمصلحة العامل، لم نلقَ منه جواباً شافياً.

ابتزاز وتسلّط !

قلنا للعاقل بشأن شكوى العمال والمراقبين وسائقيْ شاحنات النظافة من فقدانهم بعض الميزات التي كانوا يحصلون عليها، إنَّ هذا التقنين في المصروفات ليس من المنطقي أن يقع على كاهلهم، إذ تكفيهم ظروفهم الصعبة ومتاعبهم في العمل، فأجاب: أصبح من الضروري الاقتصاد في النفقات بسبب الظروف الراهنة والأوضاع الصعبة التي تمر بها سورية، لكنْ سوف نبحث هذا الأمر مع الأشخاص المعنيين به، إننا مع حصول العامل والسائق والمراقب على كلّ حقوقهم، ونحن دوماً نطالب بحصول العامل على الوجبة الغذائية والكسوة العمالية كاملتين، لكنْ لم تأتنا شكوى بخصوص هذا الموضوع. وقد بيّنا لرئيس الاتحاد أنَّ العديد من عمال النظافة الذين سألناهم عن مشاكلهم ومتاعبهم في العمل، لم يرغبوا في الحديث، وعذرهم عدم جدوى الكلام والشكوى، إضافةً إلى خشيتهم من أن يشاهدهم مراقب العمل، وهم يتحدثون إلى الصحافة، مما سيعرّضهم للمضايقات والإزعاجات من قبل رؤسائهم في العمل، كما أنّه من الصعب أن يرى العامل يقدّم شكوى خوفاً من أن يعرف المسؤول عنه بذلك.

ورأى أنَّ الابتزاز المادي وموضوع “الغياب في يوم البدل” من الأمور التي قد تحدث، لكنَّ أحداً من العمال لم يشتكِ، متمنياً منهم في حال مُورست بحقهم هذه التصرفات من قبل بعض رؤسائهم في العمل أن يتقدّموا بشكوى بشأنهم، وسوف تُتخذ الإجراءات اللازمة، مواصلاً: نحن ضد هذه الممارسات ومن يقومون بها، لكنْ ينبغي على العامل مراجعة المسؤولين في الاتحاد العام أو الاتحاد المهني أو النقابة، وسوف يبقى الموضوع سرياً بيننا وبينه، وسنعمل على محاسبة المسيئين له.

كما اعتبر أنَّ خفض النفقات في جميع المجالات بسبب الأزمة الراهنة، كان السبب في نقصان مبلغ “طبيعة العمل”، وعدم شمول الزيادة الأخيرة للرواتب له، وأنَّ هذا الأمر ينطبق على جميع مؤسسات الدولة وموظفيها.

“عتّالو” الشوارع . . من يمثّلهم؟!

وحول موضوع عتّاليْ الطرقات وتمثيلهم، قال العاقل إنَّ نقابة عمال العتالة والخدمات ليست مسؤولة عنهم، وإنّها معنيّة فقط بعمال العتالة العاملين في القطاع العام أو الخاص، فهناك عتّالون يعملون في القطاع العام وفق عقود تُجدد سنوياً، كالمؤسسة العامة الاستهلاكية، المؤسسة العامة للعمران، الأفران، المطاحن، متابعاً: هؤلاء حصلوا على عمل لهم من خلال مراجعتهم النقابة الموجودة في جميع محافظات القطر، التي أمّنت عملاً لهم وفق الفرص المتاحة، والاتحاد العام لنقابات العمال بالتعاون مع رئاسة الحكومة يسعى إلى تثبيتهم، كما أنَّ هناك عمال عتالة يعملون في القطاع الخاص منتسبين إلى النقابة. وعن الأجور التي يتقاضاها عمال العتالة في القطاع العام، ذكر أنَّ البعض يحصل على رواتب شهرية كالعامل في المؤسسات العامة الاستهلاكية، والبعض الآخر يعمل وفق مبدأ “الطوناج”، أي يتقاضى أجره حسب كمّية التحميل والتنزيل والتستيف.

وبخصوص عمال العتالة العاملين في الشوارع سألناه: لماذا لا تقوم النقابة بجولات على الأماكن الرئيسة التي يتواجد فيها هؤلاء، وتخبرهم بأنَّ هناك نقابة خاصة بهم، حتى يعلموا بوجودها ويتواصلوا معها؟ لكنْ لم نحصل منه على جواب.

افتقار لـ “التأمين”

كما أشار رئيس الاتحاد إلى أنَّ عامل العتالة الذي يعمل في القطاع العام يشترك ويستفيد من صناديق المساعدة الاجتماعية والعجز والوفاة وصناديق نهاية الخدمة، إلا أنّه لا يتمتع بالتأمين الصحي كونه ليس مثبّتاً لدى الدولة، وفي هذا الجانب ذكّرناه بأنَّ عامل العتالة مُعرّض لمرض الديسك أو للكسور وللكثير من المخاطر أثناء العمل، التي قد تؤدي لإصابته بالعجز أو الموت، مما يُفضي بعائلته إلى المجهول، أجاب العاقل: إنَّ الاتحاد العام لنقابات العمال بالتنسيق مع رئاسة الحكومة يعمل على تثبيت العتّالين العاملين في القطاع الحكومي، حتى يحظوا بالتأمين الصحي والتسجيل في التأمينات الاجتماعية، لكنَّ عامل العتالة يُحسم من راتبه 5 % من أجل تعويض “العجز والوفاة”، الذي يستفيد منه في حال إصابته أو موته أثناء العمل. وقد طلبنا منه تفاصيل أكثر عن هذا التعويض، إلا أنّه اعتذر عن الإجابة بسبب عدم توفّر مزيد من المعلومات لديه.

في نهاية المطاف

وأخيراً ينبغي الإشارة إلى عدة نقاط أساسية، أبرزها جهل كافة عمال النظافة وعتّاليْ الشوارع الذين التقيناهم –وهم كُثر- بوجود نقابتيْ “عمال الدولة والبلديات”، “عمال العتالة والخدمات”، الأمر الذي يثير الاستغراب والاستهجان في آن معاً، إذ كيف يمكن أن نصدّق أنَّ للنقابتين دوراً فاعلاً ومؤثّراً في حياة هؤلاء العمال، وأنّهما تبذلان غاية جهدهما في الدفاع عن حقوقهم وتسعيان إلى تحقيق مطالبهم، إذا لم يعلموا أصلاً بوجودهما، وللأمانة سنستدرك ونقول بشأن عمال العتالة الموجودين في الطرقات، إنَّ رئيس الاتحاد السيد نبيل العاقل، أخبرنا أنَّ النقابة غير معنيّة بهذه الشريحة من العمال، كونها ليست منتسبة إليها ولا تعمل في القطاع العام أو الخاص، وإنّما تعمل لحسابها، لكنْ هل هذا الأمر يُعفي النقابة من مسؤوليتها تجاهها؟ بالطبع لا لأنَّ عتّاليْ الشوارع إنْ لم تمثّلهم النقابة فمن سيمثّلهم؟ من سيناصرهم؟ من سيدافع عن قضاياهم؟ هل خطرَ في بال القائمين على النقابة أنَّ هؤلاء لم يستطيعوا العمل ضمن شركات القطاع العام أو الخاص، وأنَّ الظروف المريرة وحدها هي التي أرغمتهم على العمل في هذه المهنة الشاقة التي لا تُغنيهم عن ذل السؤال، وعائدُها المادي لا يكفي لسد رمق ذويهم وإسكات جوعهم.

أمّا النقطة الثانية فهي انعدام الثقة الجلي بين عمال النظافة ونقابتهم، الذي ظهر عبر رفض الكثير منهم الحديث معنا، خشية أن ينقل مراقب العمل للمسؤولين عنهم أنّهم تحدّثوا إلى الصحافة. إنَّ العديد من هؤلاء العمال، وللأسف الشديد، يتألمون ويعانون في صمت، بسبب ممارسات سلبية شائنة يرتكبها بعض رؤسائهم في العمل، فالثقة لو كانت موجودة بينهم وبين القائمين على نقابتهم لكانوا سعوا إليهم وأخبروهم بما يعانون منه.

وفي النقطة الثالثة والأخيرة لفت نظرنا ما تكلم عنه العاقل بشأن عدم شمول التأمين الصحي لعمال العتالة الذين يعملون في القطاع الحكومي، وأنّهم يحصلون فقط على تعويض “العجز والوفاة”، وهنا نسأل “هل هذا التعويض كافٍ لعامل العتالة؟ وهل يدرأ عنه ذل العجز وحاجة الناس؟”

إنَّ عامل العتالة يتعرّض بسبب طبيعة مهنته للكثير من إصابات العمل وأحياناً للموت، لذلك من غير المعقول ألا يحظى بالتأمين الصحي، وهو الذي لا يمتلك وسيلة للعمل إلا جهده العضلي وقدرته على الحمل، كما أنّه متى تجاوز عمر الخمسين أصبح غير قادر على هذا العمل، مما يجعل الشركات والمؤسسات العام والخاص منها تنفر منه، وتنظر إليه وكأنّه عالة يجب الخلاص منها، فإذا لم يتم تثبيت عمال العتالة الذين يعملون في القطاع العام، فإنّهم وعائلاتهم لن يجدوا أمامهم إلا الشارع، وهذا ما لا نرتضيه لعمالنا.

في الختام لا بدّ من التساؤل، كيف يمكن أن تكون لدينا نقابات موجودة بقوة على الأرض، والثقة والتفاهم بينها وبين أعضائها يساويان الصفر؟ كيف سنمتلك نقابات تستميت في الدفاع عن العامل وحقوقه وهو يخشى الاقتراب منها والإفصاح عن همومه ومشاكله للمشرفين عليها؟ إنَّ الأبنية والمنشآت الشاهقة لا تصنع نقابات واتحادات عمالية تكون منبراً وصوتاً حقيقياً للعمال، يعبّر عنهم أصدق وأقوى تعبير وينافح ويناضل في سبيل مطالبهم وتطلعاتهم.

البعث ميديا –  عن جريدة البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.