تركيا تعيش على وقع الفساد والصراعات والاحتجاجات

 تعصف بحكومة حزب العدالة والتنمية التركية بقيادة رجب طيب أردوغان هذه الأيام واحدة من أقسى وأخطر العواصف السياسية والأمنية التي صادفتها الحكومة منذ ولادتها أواخر عام 2002.

حزب العدالة والتنمية الذي يعد نفسه لمعركة انتخابية حامية الوطيس ستجري في البلاد بعد ثلاثة أشهر، لن ينجو من براثن هذه الأزمة بسهولة وخاصة بعد أن أعلن فتح الله غولان زعيم تنظيم الجماعة، الحرب على أردوغان” حليفه القديم” بشكل رسمي وخاصة بعد تصريحاته الذي انتقد فيها حملة التصفية التي قام بها أردوغان ضد ضباط الشرطة والأمن الذين يقومون بحملة مكافحة الفساد حيث قال غولان وبحسب صحيفة يني شفق الموالية للحكومة: “أولئك الذين لا يرون اللص ويتعقبون من يحاولون الإمساك به والذين لا يرون جريمة القتل ويحاولون تشوية آخرين باتهام الأبرياء .. اللهم احرق بيوتهم وخرب ديارهم وفرق جمعهم”.

 غولان الذي يعيش منذ عقد ونصف في الولايات المتحدة رجل متنفذ في مؤسستي القضاء والشرطة التركيتين، وله حضور واسع في أوساط الشعب التركي بمدارسه المنتشرة بالآلاف في كافة أنحاء البلاد وخارجها. والذي كان خلال الفترة الماضية أحد أهم دعائم حكومة أردوغان وعامل مهم من عوامل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم وثباته فيه قبل أن تسوء العلاقة مؤخرا بين جماعته وحزب العدالة والتنمية.

أردوغان من جهته وصف حملة الاعتقالات في صفوف مؤيديه ومناصريه بتهم الفساد والرشوة بأنها “عملية قذرة ” تهدف لتقويض حكمه، واتهم عناصر الشرطة والضباط المقالين بـ “استغلال النفوذ” وعدم إبلاغ سلطة الوصاية السياسية بالتحقيق الذي كان يستهدفها.

خطورة الأزمة الحالية وبحسب رأيي عدد من الكتاب والمحللين الأتراك الموالين للحكومة في أن حملة الاعتقالات الأخيرة قد تكون فاتحة لحملات أخرى أكبر وأوسع منها، قد تطال أركان الحكومة ووزرائها ذاتهم، وربما تطال أردوغان ذاته، وخاصة بعد أن وصلت الشكاوى القضائية إلى وزراء كبار في حكومة أرودغان، حيث قالت صحيفة جمهورييت في عددها الصادر اليوم تحت عنوان” تهم الفساد والرشوة تطال وزراء في حكومة أردوغان” : إن التحقيقات الجارية في قضية الفساد والرشوة تطال هذه المرة وزراء في حكومة حزب العدالة والتنمية لا أبنائهم، حيث قام أحد المواطنين الأتراك في مدينة بكر بالتقدم بشكوى قضائية لمدعي عام الجمهورية في المدينة، بحق كل من وزير الداخلية “معمّر غولار” ووزير شؤون الانضمام إلى الاتحاد الإتحاد الأوروبي “عجمان باغيش” وذلك بتهمة الفساد و تلقي الرشوة. وتشير الأنباء إلى أن مدعي عام الجمهورية قبل بالشكوى وقرر إحالتها إلى مدعي عام الجمهورية في اسطنبول لمتابعة التحقيق فيها.

من جهة أخرى خرجت مظاهرة حاشدة في اسطنبول، ضد حكومة حزب العدالة والتنمية واللصوص التابعين لها، وحسب ماذكرت صحيفة “يورت” فإن منطقة “قاضي كوي ” باسطنبول شهدت تجمعاً كبيراً لعشرات الآلاف من المواطنين الأتراك وبمشاركة عدد من نواب حزب الشعب الجمهوري وحزب السلام والديمقراطية، وخرجوا في مظاهرة حاشدة تحت “شعار لنحمي بلادنا من اللصوص” وذلك للتنديد بحكومة حزب العدالة والتنمية بسبب قضايا الفساد والرشوة التي طالت أسماء كبيرة من البيروقراطيين المقربين للحكومة، وهتف المتظاهرون خلال تلك الاحتجاجات الحاشدة بهتافات طالبوا فيها باستقالة الحكومة على الفور وبالكشف عن كل المتورطين بقضية الفساد والرشوة ومحاسبتهم.ولدى قيام مجموعة من المتظاهرين بالتوجه إلى مقر حزب العدالة والتنمية في منطقة “قاضي كوي” قامت قوات الشرطة بمنعهم من الوصول إليه من خلال رشقهم بالقنابل الغازية المسيلة للدموع ومدافع المياه مما أدى إلى نشوب عراك بين الطرفين استمر لعدة ساعات، مما دفع بقوات الشرطة لتنفيذ طوق أمني مكثف حول مقر الحزب لمنع المتظاهرين من الوصول إليه.

بدوره كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر الأحزاب التركية المعارضة، انتقد مجدداً حكومة حزب العدالة والتنمية ورئيسها رجب طيب أردوغان بسبب قضية الفساد والرشوة والتي تورط فيها أبناء عدد من الوزراء ورجال الأعمال المقربين من الحكومة. وبحسب مانقلته  صحيفة يورت فإن كيليتشدار أوغلو  قال في حديثٍ له أمام أعضاء كبتلة حزبه البرلمانية في أنقرة :” إن الجمهورية التركية لم تشهد كذباً وتزويراً كالذي تشهده اليوم، على القضاء أن يمارس صلاحيته كاملة وأن يحكم باسم الشعب”. وأضاف كيليتشدار أوغلو مخاطباًُ أردوغان: ” أنت مازلت تتحدث عن عصابة سرية تحاول الإساءة إلى الحكومة وتشويه سمعتها، وأنا أقول لك مرة أخرى إن أردت فعلاً معرفة من رئيس هذه العصابة فليس عليك إلا أن تقف أمام المرآة لمشاهدته، عن أي عاصبة تتحدث وأنت تمسك بزمام الأمور في هذه البلاد وتسيطر على جهاز استخباراتها منذ 11 عاماً؟! وبعد كل هذا تقول لنا إنها مؤامرة قذرة تحاك ضد حكومتك، يجب أن تنظف سياسة هذا البلد من كل تلك القذارة وأن تصبح سياسة مستقيمة ونظيفة “.

من ناحية أخرى وجّه “دولت باهتشلي”، رئيس حزب الحركة القومية، ثاني أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، انتقادات لاذعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بشأن التحقيقات الجارية في قضية الفساد والرشوة التي اتهم بالتورط فيها عدد من كبار رجال الأعمال وأبناء الوزراء.

باهتشلي، في بيان مكتوب أصدره يوم الأحد ونشرته صحيفة “يني تشاغ” التركية، قال :”إن حزب العدالة والتنمية يسعى لعرقلة التحقيقات الجارية في قضية الفساد، مؤكداً ضرورة عدول الحكومة عن الضغط على الأجهزة الأمنية من أجل إكمال التحقيقات كي تظهر الحقيقة للجميع”. ولفت باهتشلي إلى أن إقالة بعض القيادات الأمنية وتغيير أماكن تعيين البعض الآخر يشير إلى وجود بعض الحقائق التي يُخشى من كشف النقاب عنها، مؤكداً أن أي تدخل أو توجيه تقوم به الحكومة في القضية سيزيد من الشبهات التي تحوم حولها.

وفي لقاء صحفي أجرته صحيفة” بوغون” مع النائب بالبرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا “أردال كالكان” أعرب عن دعمه للتحقيقات التي تجريها النيابة العامة في إسطنبول حول تورّط بعض الأسماء البارزة وأبناء الوزراء في قضايا فساد وتلقي رشاوى. وأكد كالكان، في تغريدة على حسابه على موقع “تويتر”، أن التحقيقات في قضية الفساد والرشوة ليست “انتقاماً سياسياً” أو “مؤامرة دولية” كما يسعى رئيس الحزب والحكومة “رجب طيب أردوغان” لتصويرها، موضحاً أن التستر على السارق والدفاع عن جريمته لا يليق بأصحاب الضمير الحيّ. وأضاف كالكان بقوله “إذا كان هناك جريمة سرقة، إذا كان بيت مال هذه الأمة يُسرق في صمت من الجميع، فهذه هي القضية الكبرى وما دونها يعتبر قضايا فرعية جزئية.”

البعث ميديا- ترجمة واعداد: أسامة شحود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.