تصاعد الحرب الباردة

تصاعد التوترات في العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، إنما بداية لـ”حرب باردة” تهدد كلاً من واشنطن والنظام الجيوسياسي العالمي بأسره. ولكن دون علاقة فاعلة بين واشنطن وموسكو، فإن فرص حل التحديات الرئيسية، من إيران إلى سورية، ومن القطب الشمالي إلى أفغانستان، تقل بشكل كبير. وبدلاً من قبول قوس تدهور العلاقة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى للتعاون بنشاط مع روسيا في كل منطقة ممكنة، على الرغم من الإحباطات والنكسات.

قائمة الخلافات الرئيسية طويلة بينهما: واحدة من أكثر التحديات تعقيداً هي سورية، حيث تعتقد الولايات المتحدة بضرورة حل دولي مع التدخل كخيار، وتغيير القيادة السورية حليفة روسيا. سورية تمثل أقوى رابط لروسيا في المنطقة، حيث يمكن عن طريقها الوصول إلى الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط ​​، فضلاً عن كونها سوقاً للسلاح والتعاون الاستخباراتي.

وبالمثل، فإن الولايات المتحدة وروسيا على خلاف حول أنظمة الدفاع الصاروخي للناتو التي يجري نشرها في أوروبا الشرقية، وتعتقد روسيا أن هذا النظام موجه، في الواقع، ضد أنظمة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الاستراتيجية بينهما، على الرغم من تأكيدات الولايات المتحدة المتكررة على عكس ذلك.

وعلى الرغم من وجود شعور بعقلية الحرب، إلا أن هناك جزءاً من صورة مختلطة من التعاون بينهما في بعض الدول في العالم، الأولى، وإلى حد ما يثير الدهشة، هي أفغانستان، وعلى الرغم من فشلهما فيها، فقد كانت روسيا عموماً مفيدة للولايات المتحدة وقوات التحالف بقيادة حلف “الناتو” هناك، من خلال تبادل للمعلومات الاستخبارية، إلى مكافحة المخدرات، وبيع طائرات هليكوبتر روسية الصنع، والتبرع بالأسلحة الصغيرة والذخيرة إلى قوات الأمن الأفغانية. وكانت روسيا أيضاً شريكاً جيداً في عمليات مكافحة القرصنة قبالة الساحل الشرقي لإفريقيا، بل وربط ما يصل عن طريق شبكة القيادة والسيطرة مع القوات الغربية في المنطقة، وبشكل عام كان هناك تعاون في مكافحة الإرهاب والمخدرات.

مجال آخر من مجالات التعاون، على الأقل حتى الآن، قد تم في القطب الشمالي، أو ما يسمى بـ ” السامية الشمالية “، حيث كانت روسيا المحور النشط والإيجابي عموماً مع الولايات المتحدة من خلال آلية لمجلس القطب الشمالي، باعتبارها أكبر دولة من حيث البصمة في القطب الشمالي، لذلك تريد روسيا ايجاد سبل لتعزيز التعاون في مجال البحث العلمي، وعمليات الإنقاذ، وحماية البيئة والاستغلال المنطقي للموارد. في حين كان هناك دائماً احتمال نشوب صراع في الشمال.

كان هناك أيضاً تقدم بشأن الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع التوقيع على اتفاقية “ستارت 2″، وبعض المناقشات لمحادثات استراتيجية تهدف إلى مواصلة خفض مستوى الأسلحة النووية، بالإضافة إلى وجود ملف الدفاع الصاروخي في أوروبا الذي يمكن حله، والمفتاح هنا، هو إيجاد مناطق جديدة لمزيد من النشاط التعاوني بين واشنطن وروسيا للحد من إمكانية الانجراف نحو مزيد من سيناريوهات “الحرب الباردة”.

يمكن أن يكون التعاون والانخراط مع روسيا عن طريق المحافل الدبلوماسية غير الحكومية واعداً جداً، وذلك عن طريق مؤسسات الفكر والرأي ” القوة الذكية ” مع واضعي السياسات وكبار القادة العسكريين السابقين لخلق توصيات جديدة لعمليات التعاون، وإنشاء مراكز تبادل البيانات المشتركة الذي يساعد على توسيع المناقشات في تأمين المتابعة التي تنطوي على الدفاع الصاروخي في أوروبا من خلال بناء المواقع المادية والمأهولة بشكل مشترك، ورصد مواقع ومعلومات الرادار، ما سيساعد، بدوره، على بناء الثقة بين روسيا وأمريكا.

أما عن التعاون الاقتصادي، فتملك روسيا اقتصاداً ضخماً قائماًعلى النفط والغاز، هو من بين الـ “العشرة الأوائل” في العالم، ولكن هذا التعاون قليل نسبياً لمجموعة متنوعة من الأسباب، وكثير منها سياسي. وقد يكون استكشاف فرص للاستثمار المشترك، وربما في القطب الشمالي، وسيلة لإيجاد منطقة جديدة من التعاون، ما يتطلب تخفيف العقوبات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

سورية و إيران

بينما لا يتم التوافق على أي سيناريو، هناك تحد وفرصة محتملة من حيث دعم المعايير الدولية. في سورية، يعتبر العمل من قبل المجتمع الدولي لإزالة الأسلحة الكيميائية، نقطة انطلاق لابرام اتفاق ما، والتي يمكن البناء عليها في الجولة الثانية لـ”مؤتمر جنيف”.

أما بالنسبة لإيران، فهناك حاجة ملحة من قبل المجتمع الدولي لدعم روسي للتوصل الى اتفاق على الأقل يقوم على تجميد أو تفكيك برنامج الأسلحة النووية الإيرانية. وسوف يكون هذا من أكثر الخطوات صعوبة على أقل تقدير.

كل هذا سوف يكون تحدياً، خاصة بالنسبة للبعض من الجانبين الروسي والأمريكي، الذين يؤيدون موقفاً متشدداً، وبالتالي سيكون من السهل الانحراف عن الـ” الحرب الباردة” الحالية نحو العودة الى الشفق القاتم من الحرب الباردة الطويلة. وقال ايفان تورجينيف، الكاتب الروسي الشهير، “الظروف تحدد لنا، بل تجبرنا على السير في طريق واحد فقط، نحن نضطر إلى السير إما على طريق مسار التوتر الذي لا نهاية لها أو على طريق التعاون التام”.

البعث ميديا || المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.