واشنطن تختزل تاريخها بالجريمة

 

 إبراهيم أحمد

   إذا كان التاريخ يسجل للولايات المتحدة الكثير من الإنجازات ، لكنه في المقابل يسجل أن واشنطن لطالما اختزلت قيمها  بأعمال القتل والإبادة وقهر شعوب العالم، والضرب بعرض الحائط حقوق الإنسان والمواثيق الدولية،  إن إلقاء نظرة على سجل الولايات المتحدة يفند معظم الادعاءات بشأن التفوق الأخلاقي لأمريكا، فقد كانت منذ البداية إحدى القوى الأكثر نزوعاً للتوسع في التاريخ المعاصر، فقد  توسعت عبر أمريكا الشمالية لتنتزع من المكسيك وتضم عام 1846 تكساس وأريزونا وكاليفورنيا، وخلال تلك العملية قضت على معظم السكان الأصليين، وبحلول  منتصف القرن التاسع عشر، كانت قد طردت بريطانيا من شمال غرب المحيط الهادي وأحكمت هيمنتها على النصف الغربي للكرة الأرضية، ومنذ ذلك الوقت خاضت واشنطن حروباً عدوانية كثيرة، فقد خلّفت حربها على الفلبين خلال أعوام 1899-1902مايترواح بين 200 ألف و400 ألف قتيل معظمهم مدنيون، ولم تتردد الولايات المتحدة وحلفاؤها في قتل 305 آلاف مدني ألماني و330 ألف مدني ياباني عبر القصف الجوي خلال الحرب العالمية الثانية، والقسم الأكبر من الضحايا قضوا في حملات جوية متعمدة ضد مدن معادية، فلا عجب أن الجنرال الأمريكي كورتيس لوماي الذي قاد حملة القصف الجوي ضد اليابان قال لأحد مساعديه: «إذا خسرت الولايات المتحدة الحرب فسوف نحاكم كمجرمي حرب»، والولايات المتحدة ألقت أكثر من 6ملايين طن من القنابل خلال حروبها في الهند الصينية، بما فيها أطنان من قنابل النابالم وقنابل كيماوية عرت أشجار الغابات، وكانت مسؤولة مباشرة عن موت من  يقدر عددهم  بنحو مليون مدني، وبعد ذلك كان الغزو الأمريكي لأفغانستان بذريعة مكافحة الإرهاب، وغزو العراق بذريعة وجود أسلحة دمار شامل، تبين فيما بعد أنها كانت كذبة، والدور الأمريكي فيما سمي «الربيع العربي»، كل ذلك يشير إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على ذرائع معلبة جاهزة لتبرير حروب عدوانية للكيان الصهيوني.

لقد أدت عمليات الجيش الأمريكي وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى موت 250 ألف مسلم، وهذا تقدير متحفظ لم يشمل من سقطوا بسبب العقوبات الدولية على العراق في التسعينيات، بمن فيهم أكثر من 100 ألف شخص ماتوا في أعقاب غزو واحتلال العراق عام 2003، كما تقوم قوات خاصة وطائرات دون طيار أمريكية بعمليات في خمسة بلدان على الأقل، قتل فيها عدد غير معروف من المدنيين الأبرياء بذرائع التهديدات الإرهابية، وهذا التركيز الدائم على التهديدات المزعومة يخلق حالة ذهنية بأن كل شيء يتخذ ضده ليس مبرراً فحسب، بل هو أيضاً مدعاة للاحتفال.

ورغم ذلك هناك إدراك على نطاق واسع بأن أمريكا دخلت طور الانحدار، فالبلد يعاني  بطالة متزايدة وجبالاً من الديون وضياع صناعات بأكملها، وتلاشي طبقة وسطى وتعاظم التفاوت في الثروات، ونظاماً سياسياً فاسداً جداً يشبه الآن أوليغاركية أكثر منه ديمقراطية، وبالنسبة لكثيرين الشعور بالخزي إزاء احتلال أفغانستان والعراق وتدمير ليبيا، ونظام التعذيب وقهر الشعوب وسرقة مقدراتها، هو شعور دائم، ويبدو أن وضع رصاصات في جماجم أناس وتمزيقهم أشلاء وشظايا بواسطة طائرات دون طيار هو أحد الأشياء القليلة جداً التي لا تزال أمريكا تبرع فيها، هذا هو الغذاء الذي تقدمه الطبقة السياسية إلى الشعب لكي يبقى مقتنعاً بتفرد البلد،  ولكنها تغذية مسممة يمكن أن تشبع على مدى قصير، إلا أنها تسبب بالتأكيد أمراضاً على مدى بعيد، وما يلفت النظر هو أن احتفالات الأمريكيين بالقتل تنتشر بشكل متسع، وهكذا تؤسس السياسة الخارجية بعدد الرؤوس التي يستطيع الامبراطور رفعها على أسنة الرماح، فالرئيس الأمريكي ليس مخولاً بالقتل فحسب- ومن دون مراقبة أو شفافية أو محاسبة- بل هو يحظى أيضاً بالاحتفال لفعله هذا، بصرف النظر عن عدد الرضع والرجال والنساء من أبرياء، أمريكا اليوم تحاول استهداف سورية بذرائع كاذبة، والهدف الوحيد لها تنفيذ رغبة الصهيونية الهادفة إلى إبقاء إسرائيل قوة مهيمنة في المنطقة.

 إن من يتابع سياسات أمريكا في المنطقة والعالم- قديماً وحديثاً – يدرك جازماً أنها تقوم على افتراءات وأكاذيب تضلل بها الرأي العام الأمريكي أولاً، والعالمي ثانياً لتحقيق أهدافها في السرقة والنهب وتأمين مصالحها ومصالح الكيان الإسرائيلي، أما شعارات الحرية وحقوق الإنسان، والحرب المزعومة على الإرهاب وغيرها من شعارات، فما هي إلا ذرائع لتبرر أفعالها..

لقد عانت شعوب العالم قاطبة من إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه واشنطن عبر التدخلات الأمريكية في أنحاء مختلفة من العالم، وآخر تجليات هذه السياسات يظهر في المنطقة العربية، وبذريعة «ربيع» صنعته الدوائر الغربية، هذه السياسة، الممتدة من تونس إلى ليبيا ومصر واليمن والصومال والسودان، بلغت الذروة في الحرب على سورية التي تراهن الكثير من الشعوب على انتصارها لإيقاف سياسة العربدة الأمريكية.

البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *