وطـــن الســـلام

لم تغب الأزمة السورية عن الدراما السورية عبر الموسم الماضي حيث تناولتها في عدد من الأعمال منها مسلسل “وطن حاف” لمؤلفه كميل نصراوي وإخراج محمد فردوس أتاسي ومهند قطيش، هذا العنوان الذي حمل في طياته الكثير من العناوين، عبر لوحات درامية تتناول كل لوحة رؤية درامية لحالة من حالات المجتمع السوري على كل الصعد، وانعكاس الأزمة عليهم، والتغيرات الحاصلة في سلوكهم وعلاقاتهم، فتتناغم الحكاية بين الضحكة والدمعة، حيث تغوص تلك الحكايات في تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات من لحم ودم، حيث انحاز الكاتب للإنسان بعيداً عن أي أبعاد أخرى قد يحملها العمل، مما يؤكد على مصداقية الطرح والأداء، المتكاملة مع الموسيقى والإخراج خاصة وأنه تناوب على الإخراج مخرجان من جيلين مختلفين، فكانت المعالجة نابضة بالاختلاف المميز الذي وظف لصالح العمل.

العمل الذي ينطلق من الشارع السوري يعرض تفاصيل مؤلمة تبدأ بالحرمان وانهيار الأحلام وفقدان الأحبة وتنتهي بدموع الأطفال وصعوبة رسم البسمة على وجوههم حتى في أيام العيد، كما رأينا في حلقة “الفرح مهنتي” هذه الحلقة التي تميزت بكل حيثياتها بدءاً من كتابتها مروراً بشخصياتها وأسلوب معالجتها.

وعنوان هذه الحلقة يغاير مقولة شاعرنا الراحل محمد الماغوط الذي أعلن يوماً عبر ديوانه أن الفرح ليس مهنته بحكم حالة الحزن التي خيمت على حياته حتى غادره الفرح ولم يستطع أن يمتهنه يوماً.

 لكن على عكس التشاؤمية التي عاشها شاعرنا نرى الفرح يخلق من الحزن عبر أعياد الميلاد ورأس السنة حيث يطل “بابا نويل” حاملاً هداياه للأطفال ليبث الفرح في أرواحهم بعيداً عن صوت الرصاص والدمار، وقد جاء الحوار سلساً ومشوقاً على لسان شخصياته التي أداها بشكل رئيسي الفنانان عبد الرحمن أبو القاسم وحسام تحسين بك الذي جسد شخصية بابا نويل، إذ يخاطب أبو القاسم بقوله: “صحيح بلدنا هرب منها الفرح بس الولاد لازم يفرحوا” فيرد عليه أبو القاسم: “أنا برأيي هالسنة ما تلبس اللون الأحمر لأن الناس تشاءمت من هذا اللون، كما ينصحه أن يوزع هداياه في النهار” فيجيبه تحسين بك: “بابا نويل يأتي في الليل، وهل أجمل من أن يموت الإنسان وهو يوزع هدايا للأطفال، وما تسمعه من رصاص ما بيموت فرح، الفرح ما بيموتوا إلا الحزن”.

ربما هذا الحوار يكون عادياً لكنه يحمل مدلولات كثيرة حول تغير مفاهيم الناس للمناسبات كالطفل الذي خالف المألوف وطلب من بابا نويل ياسمينة، وطفل آخر يرفض هدية السيارة لأنه يخاف أن تكون مفخخة، بينما رفض طفل كان قد أوصى بابا نويل على أقلام تلوين ودفاتر رسم بسبب أنه لايستطيع تلوين الحزن، وطلب بدلاً منها سيارة برشاش دوشكا لينتقم من الأعداء.

 بابا نويل الذي اعتاد أن يوزع هدايا الفرح يعيش الكثير من المفارقات المؤلمة حيث أطفال استشهدوا وأطفال أصيبوا بالقذائف وآخرون هُجروا فينشد بصوت مشحون بالشجن: “عبيت الفرح بعلب وكتبت اسم اصحابا.. يا يوم انطرتك من شهور تاري الفرح منهار.. دقيت ما فتحت بوابا.. رد عليّ الموت مقهور وقللي اللي كان هون غير العنوان.. عنوانهن عـ شواهد القبور” ويأسف بابا نويل أن الفرح مات في قلوب الأطفال ولم تعد تفرحهم الهدية.

 وفي ختام الحلقة يلتقي الفنانان أبو القاسم وتحسين بك ويجلسان في حديقة يراقبان الناس وهم يعيشون حياتهم رغم صوت القذائف ليقول الفنان حسام تحسين بك: “قد ما كان هالبلد تعبان مابتمّوتوا رصاصة” وينشد للشام: “ياشام.. ياعيوني.. ياحنوني.. ياجنوني.. ترابك من جدودي.. هواك معبودي.. انت اللي بتجودي.. وناسك سلام”.

 لقد وفق الكاتب كميل نصراوي في رصد تفاصيل حياة المواطن السوري كما هي فجسد في “وطن حاف” عبر لوحاته الدرامية مصداقية وجرأة في الطرح شكلت انعطافة لايمكن تجاهلها رغم أنها تجربته الدرامية الأولى، وليسجل بصمة هامة في تاريخ الدراما السورية.

البعث ميديا || سلوى عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.