كي لا يتكرر عام الدماء هذا

 

لم يكن مستغرباً أن يتزامن انتهاء فعالية “النموذج التركي” بطبعته الأردوغانية مع نهاية العام الجاري، فقد كان من الواضح، إلا لجاهل أو متجاهل، أن “اللعنة السورية” ستصيب كل من ولغ في الدماء السورية البريئة، وإذا كانت البداية من “حمدي قطر”، فإن “زعيم عصابة الفساد” التركية لن يكون الأخير، بل إن عروشاً أخرى تنتظر دورها جراء اصطدام أوهامها بحائط القلعة السورية المنيع.

وبالطبع، وكي نكون واقعيين، لم يسقط أردوغان بسبب “التجربة السورية” فقط، فالرجل الذي شهد عهده ازدهاراً اقتصادياً لا ينكره أحد، حفل سجله بـ “إنجازات” أخرى ولكن في اتجاه مختلف، فقد شهد عهده أيضاً “ازدهاراً” غير مسبوق في عمليات الاغتيال الممنهج للمعارضين، و”ازدهاراً” في التضييق الرسمي على حرية التعبير-تركيا أكبر سجن في العالم للصحفيين- و”ازدهاراً” في العقلية الدكتاتورية والتفرد بالحكم، و”ازدهاراً” في عملية استخدام الطائفية والمذهبية في السياسة الداخلية والخارجية، و”ازدهاراً” في تخريب العلاقات وتسميمها سواء محلياً أم إقليمياً أم دولياً-هل سمعه أحد طوال العام “الفارط”، بتعبير إخواننا المغاربة، سوى مهدداً أو شاتماً؟!- وهو ما أدى في المحصلة إلى “ازدهار” في عدد الأعداء، كمّاً ونوعاً، ليصبح رفع الغطاء الأمريكي الخارجي، والغطاء الإسلامي الداخلي الذي يمثله شريكه الكبير “فتح الله غولن” تحصيل حاصل، بعد أن أصبحت رعونة الرجل وضعف أفقه الاستراتيجي خطراً على الجميع.

بيد أن الأمر لا يتوقف على ذلك، فـ “إنجازات” الرجل كان يمكن أن تمر مرور الكرام، لو لم تصادف لحظة تاريخية مميزة، فالمنطقة، بعربها وعجمها، تسير اليوم على خط زلازل متحرك، والعالم كله ينوس بين مرحلتين، لم تنته مفاعيل الأولى بصورة كاملة، ولم يتبلور مشهد الثانية نهائياً، بمعنى أن تردادات الانتقال العالمي، ولو ببطء، من قيادة القطب الواحد، إلى التعددية القطبية، لم تسمح بعد للخارطة الجيوسياسية الجديدة التي تُرسَمُ للمنطقة أن تكتمل، لذلك ليست نهاية “الأردوغانية” هي الصورة الأسطع في عام الأزمات “الفارط” هذا، فهناك صور أخرى تزاحمها على احتلال المرتبة الأولى، منها مثلاً الاتفاق النووي بين إيران والغرب، ومنها أيضاً خروج مملكة الرمال عن صمتها الأبدي لتنطق إرهاباً وكفراً، وتسفر عن تحالفها المصيري مع “إسرائيل”، وهو تحالف ما كان له، بسبب بنية النظامين الفكرية والسياسية، سوى أن يزيل الجغرافيا من أمام الحركات الإرهابية، ليجعلها تتمدد على كامل المساحة التي يحاربان عبرها من العراق إلى لبنان مروراً بسورية وليبيا وتونس واليمن، وتصبح الكلمة الأعلى في المنطقة للدماء البريئة، وتلك مأساة عربية جديدة تضاف إلى سابقاتها، لكن وككل مأساة مشابهة فإن لها جانباً كوميدياً أيضاً، فأن ينتهي عام الإرهاب ومملكة الرمال تدين الإرهاب فقط في مصر -وهو مدان بكل تأكيد- باعتبار أن “من يقوم به لا ذمة له”، فتلك من علائم قيام الساعة والله أعلم.

بهذا المعنى، يكون العام “الفارط” عاماً غير مأسوف عليه، من جانبنا كسوريين على الأقل، لكن ولأن التجربة وحدها هي ما يصنع الرجال والأوطان، فإن تجربتنا في العام الذي نودعه، يجب أن تدفعنا لتخصيص العام الذي نستقبله لبرنامج بناء سورية تعددية ديمقراطية مدنية لكل أبنائها، ما يعني أن العمل يجب أن يسير على خطين متوازيين: الأول: داخلي جوهره المواطن: متطلباته وهمومه وتطلعاته، والثاني: خارجي، أسه العمل على بناء تحالف دولي ضد الإرهاب، فكراً وسلاحاً، وبالتالي الاتفاق في “جنيف2” أو غيره، على أولوية وقف دعم وتسليح “الإرهابيين” في كل مكان، وخاصة في سورية، وإلا فإن الآتي أعظم.

أحمد حسن-البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.