فضائيات “البث الأسود” تتوعدنا بما فشلت به آلة الدمار التقليدية

باتت التحذيرات من أشكال الغزو الثقافي، ومحاولات غسل الأدمغة التي تُمارس بحق هويتنا الثقافية، باتت أكثر من تقليدية، بل ربما تكون قد تحولت إلى فعل مقصود لذاته، أي بلا فعالية وفق الآليات الجاري استخدامها في المواجهة. إذ وبالرغم من أنماط الوعظ المكثف الذي تحفل به برامج التوعية والمناهج الدراسية، لم نكترث مؤسساتياً لأشكال الاختراق شبه اليومي، التي تجري بحق منظومتنا الثقافية والسلوكية عبر بوابة بالغة الحساسية وهي بوابة الطفل والطفولة، أما الأداة المخرّبة هنا فهي قنوات البث الفضائي المنعتقة من أي رقيب ورقابة، لا على المستوى الرسمي وبل على مستوى الأسرة التي تجد في ترك أبنائها لهذه القنوات، تخلصاً جزئياً من عبء الرعاية والمتابعة..

والمتتبع لتفاصيل ما يجري على الخط الواصل ما بين أطفالنا وما يُبث على “فضائيات الأطفال” لن يستغرق وقتاً ليستنتج أن في الأمر معدلات عالية من الخطورة تحفل بها برامج هذه  القنوات التخريبية من خلال الأفكار الهدامة التي تضخها وتصبح جزءاً أساسيا في قوام وعي وذهن الطفل، في استلاب لم تنجزه أخطر أدوات الحرب التقليدية.. فإلى أي حد نبدو اليوم في خطر..؟ وإلى أي حد يمكننا الاسترسال في التشاؤم بشأن غد أطفالنا إن لم نستدرك وسريعاً..؟؟

السم في الدسم..؟؟

ترى الباحثة ردينه حيدر وهي صاحبة تجربة ميدانية في المركز الإقليمي لتنمية الطفولة المبكرة، أن أخطر سلاح اليوم يوجه للأطفال بعد سلاح الحرب الإرهابية على سورية، هو سلاح القنوات الفضائية الموجهة للأطفال، ومن حيث أن تلك القنوات تدعي البراءة والطفولة، إلا أنها تعمل على برمجة عقول الأطفال منذ الأشهر الأولى، وعلى نشر قيم وسلوكيات خطيرة، كالكسل، والاستهتار، والفوضى. هذه القيم على سبيل المثال تتجلى في الشخصية المعروفة بـ (سبونج بوب)، وأيضا قيم الانتقام والعنف، وهي متواجدة في الأغلبية الساحقة من أفلام الكرتون التي تقدمها تلك القنوات، هذا بالإضافة إلى أنها تروج ثقافة البشاعة، لاغية من عقول الأطفال قيم التذوق الجمالي والفني، الأمر الذي يؤسس بشكل راسخ لثقافة العنف. هذا بالإضافة إلى أنها تقدم الخيال للأطفال كالوجبات الجاهزة، وبالتالي تؤدي إلى تراجع القدرات التخيلية عند الأطفال.. والأخطر من ذلك أن بعض الأطفال يتابعون برامج الكرتون المخصصة للكبار كبرنامج ذا سمبسون، الذي يروج للقيم الإباحية في بعض الأحيان بشكل غير مباشر، الأمر الذي يؤدي إلى تراكمها في اللاوعي عند الأطفال، وتتجلى خطورة هذه البرامج بتقديمها لتلك الأفكار على أنها من البديهيات.. وبالتالي لا مجال إلا لقبولها من قبل المتلقي.. خاصة إذا ما كان طفلاً..

عن سابق إصرار..

قد يكون من البساطة والسطحية الاعتقاد أن ما يجري محض صدفة، وهذا ما تؤكده حيدر التي أشارت إلى أن لا شيء عفوي أو بريء .. كل شيء منظم ومخطط، لقد توجهوا أولا إلى فئة الشباب والآن يتوجهون إلى فئة الأطفال، وهي المرحلة الأخطر والأكثر حساسية من عمر الإنسان، لأنها المرحلة التي تؤسس لشخصيته المستقبلية بلا أدنى شك،  فهناك محاولات للسيطرة على هذه الأجيال لتسهل قيادتها والتحكم بها لاحقا، وتحويلنا إلى شعوب بلا هوية ولا جذور، شعوب مستهلكة حتى للثقافة الغربية.. في خدمة رأس المال العالمي، وما يحدث اليوم لهو خير دليل على ذلك..

 تخطيط محكم

ولم يذهب الباحث التربوي نضال الشكل، بعيداً عن ما سبق على لسان ردينة حيدر، فهو يؤكد، أن من يرعى تمويل ونشر هذه البرامج يُظهر دراية واضحة في آلية تشكل المنظومة الدماغية عند الطفل، فعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد أنهم يُدرجون السلوكيات الأكثر تعقيداً في البرامج الأكثر شحناً للعواطف والأبطأ من حيث سرعة تدفق الصور، فهم يعلمون أن توفر الشحن العاطفي والعرض الهادئ يضمن إيصال الرسالة إلى دماغ الطفل بشكل أفضل وأكثر ثباتاً (كطقس زواج ذكرين في سبونج بوب)، بينما نجد أن تدفق الصور يصبح سريعاً في البرامج التي تتضمن رسائل متوارية في الطيات، وذلك لضمان ولوجها إلى اللاوعي مباشرةً (كصورة الفتاة العارية في فضيحة والت ديزني) وهنا يكمن الخطر الأكبر، فاللاوعي هو المساحة الأكبر لكل من القدرة والنتاج الإنساني على حد سواء، وهذا ما يعيه تماماً رعاة هذه البرامج. أيضاً: الفلسفات التي تروج لها هذه البرامج تؤكد أنها مدروسة بعناية، كفيلم كرتوني يكلف إنتاجه ثروة طائلة ليعرض شخصيات لها أشكال مشوهة وتقتات على النفايات، ويقدمها على أنها كائنات محبة ولطيفة، وفي برامج أخرى يظهر الجهد المبذول والناجح حقيقةً في تصميم شخصيات أشبه بنجوم الأفلام الإباحية، وطبعاً لا تسمح أجهزة الرقابة بأن يضيع جهد الرسام، فهم يظهرون من وقت لآخر شبه عراة كم مرة في الحلقة الواحدة من برامج البوكيمون، تمر كلمة سأقتلك، سأقضي عليك، سأدمرك، سأهزمك؟ وكل ذلك لنصرة الخير طبعاً! (هذا ماسيكون عليه مفهوم الخير عند جيل أطفال البوكيمون؟!).

خارطة طريق المواجهة..؟؟

الآن نصل إلى السؤال المحوري والجوهري، وهو ما الذي علينا فعله لصد هذا الخطر عن أطفالنا ومستقبل مجتمعنا..؟؟

ربما يكون الجواب الشافي منطوياً على ما يستحق الوصف بـ “الإستراتيجية” أكثر مما هي خطة عمل. فالباحث الشكل يرى أن الاستسلام ليس بخيار للنجاة، والمواجهة ليست بالفكرة العقلانية، فمن نواجه؟! إنهم كيانات وليسوا جيوشاً، ليسوا بدول بل منظمات ضالعة في معظم الدول.

وكحل مُقترح فيما يتعلق ببرامج الأطفال، يمكن مبدئياً أن نطفئ التلفازـ على الأقل لفترة وجيزة، ننظر فيها إلى أطفالنا، نتعرف إليهم من جديد “هذا إن كنا تعرفنا إليهم سابقاً” نلاعبهم، نتنزه معهم، نَخْبَر ما لديهم وما ينقصهم، ولا أعتقد أنه يوجد أي ضير في أن نقرأ لهم ما اخترناه معهم من قصص، أو نحكي لهم حكايانا التي كانت جزءاً من الدفء الذي قدمته لنا أمهاتنا وجداتنا، قبل أن يسلبهم العمل المؤسساتي دورهن، وينحيهن جانباً على الهامش، وينحي أطفالنا على الهامش الآخر، الهامش البارد الموحش الخطير.

أما الباحثة حيدر فتعتقد أنه من الممكن الحد من تأثير هذه القنوات عن طريق نشر الوعي من خلال وسائل الإعلام عن مدى خطورتها، وإشراك الأهالي في برامج التوعية الاجتماعية التي من الممكن أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني بالتعاون مع الحكومة، والتركيز على أهمية البرامج والأنشطة التفاعلية كبرامج التشجيع على القراءة والمسرح والرسم والموسيقا، والفنون بأنواعها، من خلال تفعيل دور المراكز الثقافية والمكتبات العامة والمدرسية.. الأمر يحتاج إلى تضافر كل الجهود من قبل كافة المعنيين في مجال الطفولة والثقافة والإعلام والصحة النفسية.

مرام ديوب- البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.