في إشكالية الثورة والمقاومة

بقلم الرفيق الدكتور عبد اللطيف عمران ||

لا شك في أن الحياة السياسية والفكرية في العالم اليوم تشهد تحولات مربكة على مستوى النظرية وعلى مستوى الممارسة تجعل المجتمع الدولي يرزح تحت اضطراب وتباين وازدواجية في كثير من القضايا ولاسيما في المسائل المجتمعية، وخاصة مايتصل منها بمفهومات الثورة، والمقاومة، والإرهاب، حيث الاختلاط والتسييس والتضليل، مايجعل الأجيال المعاصرة تقبل على قطيعة أو مفارقة مع نسق معرفي كان مستقراً عالمياً لفترة طويلة.

وهاهي اليوم المنظمات الدولية، والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية والسياسية تبتعد شيئاً فشيئاً عمّا هو مستقر في المعجم السياسي الحديث لتعريف الثورة أو المقاومة. ويزداد الأمر وبالاً ووطأة حين ننظر في مايشهده العالمين العربي والإسلامي من خراب ودمار وقتل وتكفير يخدم المشروع الصهيوني الإرهابي الكبير في المنطقة والعالم بعد أن تم تقويض منجزات حركات التحرر والتقدم في الفكر وفي الواقع.

– وعلى الرغم من أن صعوبة تعريف الثورة ناجمة معجمياً وواقعياً عن الخلط بين الثورة والتمرّد والاحتجاج، باعتبار الثورة هي تغيير مفاجئ وعنيف في البيئة السياسية والاجتماعية لدولة ما، إلا أن التعريف مستقر معرفياً على أنها حركة تقدمية نحو الأفضل تعمل على تجاوز التخلف والرجعية في سبيل صياغة هوية وطنية جامعة بعيدة عن التفكيك والتشرذم والانغلاق بين أبناء الشعب الواحد، وذلك بناء على أدوات ووسائل داخلية وطنية بالدرجة الأولى. وعلى هذا الأساس اعتبر الفكر السياسي الحديث أن أهم ثورات في التاريخ الحضاري الإنساني هي ثلاث: الإسلامية، والفرنسية، والبلشفية في روسيا.

– كما أن المدلول السياسي والمعجمي الحديث للمقاومة مبني على مقاومة الاستعمار والاحتلال والهيمنة، ورفض القبول أو الإذعان لمؤشرات سلبية ضد أي جماعة أو دولة، بهدف الحفاظ على المكتسبات أو المنجزات أو الحدود والحقوق الوطنية على نحو ماهو معروف في المقاومة ضد النازية، أو الاستعمار الغربي، أو الاحتلال الإسرائيلي.

– لكن الأمر في الواقع العربي، وفي سورية بشكل خاص، بدأ يتجه اتجاهات أخرى تختلف عما هو معروف في الثورة العربية الكبرى ضد الاحتلال العثماني، وفي الثورات ضد الاحتلالين الغربي والصهيوني، وفي الثورات الوطنية في مصر والعراق وسورية. ثورات لا أحد يستطيع أن ينكر أنها كانت تطالب بالحريات وبالحقوق السياسية والاجتماعية والوطنية ضد الاحتلال والتخلف والتجزئة والرجعية والتبعية قامت على أفكار التقدم والتنوير والتحرر والوفاق الوطني.

إن مانشهده اليوم من اضطراب يقوّض المفاهيم الحقيقية للثورة وللمقاومة، ويسيء إليها لأنه يعتمد اعتماداً أساسياً على القوى المضادة تاريخياً لحقوق الشعوب العربية والإسلامية، يعتمد على المظاهر المتجددة للاستعمار الغربي وللرجعية العربية والتي تصب بالمحصلة في مناهضة المشروع العروبي وخدمة المشروع الصهيوني. لذلك يظهر بوضوح كيف أن بعض العرب هم أعداء أنفسهم حين ينفذون مخططات ضد العروبة والإسلام والأوطان. فهل يقتنع عاقل بأن حكام السعودية أو قطر أو تركيا أو أمريكا يدعمون ثورة أو مقاومة حقيقية ومشروعة؟ على الرغم مما قامت به الحكومات الرجعية العربية من شراء ذمم كتّاب ومثقفين من اليمين والوسط واليسار.

الثورة شرطها الأساسي أن تكون وطنية تؤمن بالحريات وبحقوق كافة أطياف الشعب لا ترتبط بأجندات خارجية، ولا تتحقق بأدوات هي مجموعة من الإرهابيين العابرين الجوالين، ولا تنطلق من تزييف الوعي ومصادرة الانتماء، فلو كان هناك ثورة لتمكن الشارع العربي من أن ينتفض وهو يسمع مثلاً دفاع جون كيري عن الإخوان المسلمين  أثناء اتصاله بوزير الخارجية المصري مستنكراً تصنيف  حكومته جماعة الإخوان على أنها مجموعة إرهابية،… ولا ينتفض أيضاً وهو يسمع تصريحات سفير آل سعود في لندن بأن بلاده ستواصل دعم الإرهابيين في سورية حتى لو بقيت لوحدها، وكذلك الاتصال المراوغ لجو بايدن بالأمس.

وأي ثورة تلك التي تضعف الدولة الوطنية السورية الحامل التاريخي الأهم لمقاومة المشروع الصهيوني؟ هذه الدولة التي دُفعِت اليوم لمقاومة حقيقية أخرى هي مقاومة الإرهاب والتخريب والرجعية.

إن سورية اليوم تستمر في مقاومة الإرهاب الذي يهدف أولاً إلى تفتيت الوحدة الوطنية والمجتمعية، ويعطّل  الحياة الخدمية والتوجهات التنموية والخطط الإنتاجية، ويقوّض مسيرة الأمن والاستقرار والعيش المشترك التي طالما تمتعت بها البلاد التي كانت تصدّر الأدوية الى 57 دولة في العالم، والتي كانت تنتشر في أرجائها المدارس والمعامل والجامعات، ففي حلب وحدها تم تدمير أكثر من 1100 منشأة صناعية منافسة إقليمياً…إلخ، فهذا ليس تخريباً انفعالياً مرتجلاً، بل هو مخطط منهجي مدروس وموجه بدقة.

والدولة الوطنية السورية رغم ذلك تقاوم الأبعاد الاقتصادية لتحالف الإرهاب، كما تقاوم أبعاده السياسية والاجتماعية، فقد صمدت وهي قادرة على الصمود أكثر حين تخصص 40٪ من موازنتها العامة لسياسة الدعم، وأكثر من ذلك لكتلة الرواتب والأجور لـ2.5 مليون موظف ولاتزال تحتفظ باحتياط استراتيجي من القمح والعملة الصعبة.

لذلك صار مؤكداً أن الغرب والرجعية العربية يؤسسان لإشكالية جديدة للثورة وللمقاومة حاملها الأساسي الإرهاب، وهدفها التخريب  والتكفير والقتل بعد استلاب الوعي، ومصادرة الانتماء، وزعزعة الأنساق المعرفية والمفاهيم الوطنية والتقدمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.