تركيا.. الإمبراطور الخفي (2)

في الكواليس

نتيجة تشدد النظام العلماني التركي في التعامل مع الأحزاب والتيارات ذات التوجهات الإسلامية، بخاصة خلال العقود الأولى من نشأة الجمهورية، عملت معظم التيارات الدينية تحت قانون الجمعيات الخيرية، أو الحركات الصوفية التي سُمح لها بالنشاط في عهد حكومة عدنان مندريس التي فازت بانتخابات عام 1950، لتنهيَ سيطرة حزب الشعب الجمهوري العلماني الذي أنشأه أتاتورك وانفرد بالسلطة منذ تأسيس الجمهورية عام 1923.

بيد أنّ نشاط الجمعيات الخيرية والدينية لم يعدْ يقتصر بمرور الوقت، على النشاطات الخدمية والتربوية. بل امتدَّ إلى المجال السياسي عبر إنشاء تحالفات مع الأحزاب والقوى السياسية، وخصوصًا في مواسم الانتخابات، إذ تحثّ هذه الجمعيات أعضاءها والمتعاطفين معها على التصويت لأحزاب معينة، مقابل حصولها على تسهيلات وخدمات مختلفة في حال وصول هذه الأحزاب إلى الحكم.

وكان من أبرز هذه التحالفات ما قام بين حزب العدالة والتنمية وتنظيم الجماعة المعروف باسم حركة “الخدمة”. هذا التحالف السري دفع بأردوغان ورفاقه إلى الإنشقاق عن معلمهم نجم الدين أربكان وتأسيس حزب جديد يحمل اسم “العدالة والتنمية”. كان فتح الله غولان وتلامذته من المباركِين لهذه الخطوة إذا رأى فيها غولان فرصة لا تعوض من أجل الانتقام من العسكر الذين كانوا يلاحقونه هو وجماعته ويمنعونهم من التمدد أكثر داخل المجتمع التركي، وخصوصًا أنّ استطلاعات الرأي حينها كانت تشير إلى أنّ حزب العدالة والتنمية سوف يفوز في الانتخابات في ظلّ وضْع سياسي واقتصادي معقَّد، ثبت خلاله فشل الأحزاب العلمانية وانكشف فسادها.

شهر العسل بين غولان وأردوغان

 يمكن القول إنّ جماعة غولان عاشت عصرها الذهبي في ظلِّ حكومة أردوغان والعكس صحيح، فحكومة أردوغان فتحت لجماعة غولان آفاق العمل والنشاط في جميع قطاعات الدولة، بما فيها تلك التي لم يكن ممكنًا لها العمل فيها من قبل، ولاسيما وزارات التربية والتعليم، والداخلية ومديريات الأمن والاستخبارات والجيش، ووزاراتي الخارجية والعدل. كما ذهب أردوغان إلى حدّ الترويج للجماعة في الخارج، عندما توسّط بينها وبين مختلف الزعماء والرؤساء؛ للحصول على أراضٍ في بلدانهم تقيم الجماعة عليها مدرسةً، أو رخصٍ تقيم بموجبها مشروعًا. وفي المقابل دعمت الجماعة أردوغان وحزبه داخلياً وخارجياً، في جميع الانتخابات وكانت وراء فوزه بها منذ وصوله إلى السلطة.

خلافات على المستوى الداخلي والخارجي

لقد ظهر الخلاف المتعلِّق بقضايا داخلية بين غولان وأردوغان، أوَّل ما ظهر، عندما أسّست حكومة العدالة والتنمية المحاكم الخاصة للنظر في قضيَّة أرغينيكون، وهي قضية اتهمت فيها الحكومة عشرات الضباط من المؤسّسة العسكرية بالتدبير لانقلاب عليها عام 2007. لكنّ أمد المحاكمات طال من دون حسمٍ، كما أخذت الاتهامات تمسُّ قياداتٍ عسكريةً عملت حتى وقت قريب بجانب أردوغان الذي جعله يُبدي استياءً واضحًا من بُطْء سير المحاكمات، ومن اقترابها من قيادات عسكرية تعدُّ قريبة منه جداً؛ ما أشعر أردوغان بأنّ جهازي الشرطة والقضاء اللذين أمسيا في قبضة جماعة غولان باتا يشكِّلان تحديًا كبيرًا له.

 أمّا الخلاف الداخلي الثاني فقد ظهر عندما جرى الكشف عن تسجيلات صوتية لمفاوضات سرِّية في أوسلو مع حزب العمال الكردستاني، تحت إشراف رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، في إطار مسعى الحكومة لحلّ القضية الكردية. غير أنّ جماعة غولان التي لها امتداد ونفوذ في المناطق الكردية كان لها رأي في الحلّ يختلف في التفاصيل مع رأي أردوغان، ما دفع بالمدّعي العامّ “صدر الدين صاريقايا”، المحسوب على جماعة غولان للقيام باستدعاء رئيس جهاز الاستخبارات “هاكان فيدان” للمساءلة القانونية في شباط 2012 ، إذ وجه إليه تهمًا بالتفاوض مع أعداء الوطن وتجاوز صلاحياته، فترتَّب على ذلك تدخُّل من رئيس الوزراء أردوغان الذي اعتبر مسألة استدعاء صديقه هاكان فيدان للتحقيق، مسألة استهداف الشخصي له. وقد ذهبت الشكوك إلى أنّ جماعة غولان هي التي قامت بتسريب التسجيلات الصوتية لرئيس جهاز الاستخبارات في أوسلو.

وبلغ الخلاف بين الحكومة والجماعة أوجَه عندما أيَّد غولان  ضمنيًّا الاحتجاجات التي جرت في ساحة تقسيم، في حزيران 2013، على خلفية قضية حديقة غزي. وهذا ما عكسه طريقة تعاطي وسائل الإعلام التابعة لغولان مع هذه الأحداث، حيث قامت وسائل إعلام تابعة للجماعة بتوجيه انتقاد حادٍّ لأردوغان، ولطريقة تعامل حكومته مع المتظاهرين آنذاك.

أما خلافات أردوغان – غولان الخارجية لم تكن بالمستوى التي كانت عليه خلافاتهم الداخلية، إذ أنّ الاثنين متفقين على ضرورة التنسيق مع الغرب وإسرائيل، في أي خطوة على مستوى السياسة الخارجية في المنطقة.

تشهير أردوغان علناً بإسرائيل عقب حادثة سفينة مرمرة، ولو كان تمثيلاً، فإنه أثار غضب معلمه غولان. الذي بدوره حمّله مسؤولية دماء المواطنين الأتراك الذين قتلوا في هذه المسرحية. ومن جهة ثانية لم يكن غولان مرتاحاً لتوجه أردوغان نحو العالم العربي والشرق الأوسط وسعيه للعب دور الزعيم الإقليمي للمنطقة. غولان لم يمتدح أبدا توجهات أردوغان المزيفة نحو الشرق الأوسط، إذ كان يرى فيها مصلحة شخصية لأردوغان لا مصلحة وطنية لتركيا.

 سقوط بالضربة القاضية

أمّا القضية التي فجَّرت الخلاف على نحوٍ علني ومفتوح، فكانت قيام عناصر في الشرطة تدين بالولاء لغولان بحملة اعتقالات طالت أبناء وزراء في حكومة أردوغان بتُهم فسادٍ – من دون عِلم السلطات العليا – بمن فيهم وزير الداخلية؛ وذلك بهدف إحراج الحكومة عبْر رميها بتُهم الفساد المالي والأخلاقي، قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات البلدية؛ ما اضطر رئيس الحكومة أردوغان إلى أن يطلب من ثلاثة وزراء – وهم وزراء الداخلية والاقتصاد والبيئة – تقديم استقالاتهم، بعد سجن أبنائهم على ذمة قضايا فساد، حتى يتسنَّى للقضاء التركي التحقيق في التُّهم من دون التأثر بمناصب آبائهم، أو مكانتهم السياسية في الحكومة.  وفي مقابل كلّ خطوة عدائية كانت تقوم بها جماعة غولان، كانت الحكومة ترُدُّ بإجراء عقابي، وتذهب بعض القراءات إلى أنّ الحملة الأخيرة من الشرطة ضدّ الفساد لم تكن إلا ردًّا من حركة غولان على إصرار الحكومة بإغلاق مدارسها الخاصة التي تشكل أكبر مصدرٍ مالي لتنظيم الجماعة في تركيا. لكنّ الحكومة قامت بالردّ على الردّ عبْر طرْد العشرات من ضباط الشرطة والموظفين العموميين المحسوبين على الجماعة، من بينهم رئيس شرطة إسطنبول.

 معارضة داخل التيار الإسلامي الواحد

هذه المواقف المتعارضة بين حزب العدالة والتنمية وحركة فتح الله غولان جعلت المعارضة الرئيسة للحكومة التركية تأتي من داخل شبكة مصالح تجمع بين الصوفية والبراغماتية السياسية، إنّ غولان أخذ يَنشُد تحالفاتٍ مع الأحزاب العلمانية المعارضة لحكومة العدالة والتنمية، وكأنه يسير على النهج نفسه الذي تعامل به مع نجم الدين أربكان عندما ترأَّس الحكومة خلال العام الممتدّ بين 1996 و1997؛ إذ جعل من نفسه خصمًا عنيدا لأربكان ولحركته “رأي الأمة”، من داخل تيار الإسلام السياسي التركي. وهذا يعني أنّ غولان أخذ يتبنَّى برنامجًا واضحًا لمعارضة حكومة العدالة والتنمية، وأنّ الأمر ليس اختلافًا مع مواقفها من القضايا الداخلية والخارجية فحسب. وقد يشير قيامه بمغازلة المؤسّسة العسكرية وادعاء استعداده للتخلّي عن كلّ ممتلكات الجماعة للعسكر التركي، إلى أنّ غولان ربما يسعى لإسقاط حكومة العدالة والتنمية، لكن من دون أن يقدم نفسه بديلًا منها.

الأزمة السورية.. غولان «يوظف» تورط أردوغان

انفضاح أمر الشاحنة التركية، التي كانت تحمل على متنها أسلحة مهربة إلى الجماعات المسلحة في سورية، سحب الملف السوري إلى ساحة الصراع السياسي الداخلي في تركيا، ليكون بذلك أداة قوية في يد غولان ضد اردوغان، حيث كشف الإعلام التركي الموالي لجماعة غولان ولأول مرة منذ بد الأزمة السورية، عن توقيف الشرطة التركية لشاحنة محملة بالأسلحة المتنوعة متجهة إلى سوريا، وقالت عنها بأنها شحنة تابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية المقربة من حزب العدالة والتنمية.

وعلى الرغم من نفي الحكومة التركية، وهيئة الإغاثة، للخبر فإن صحيفة «زمان» المملوكة من قبل جماعة غولان قالت أنه وأثناء تفتيش الشاحنة جرت محاولات لأخذ ملف هذه القضية من قوات الدرك إلى قوات الشرطة، ولكن المدعي العام رفض تسليم الملف إلى الشرطة وأمر الدرك بمتابعة التحقيقات وإلقاء القبض على الثلاثة المشتبه بهم بمن فيهم عضو الاستخبارات.

هذا التحول الكبير في موقف فتح الله غولان من حلفاء الأمس يثير تساؤلاتٍ عديدةً متعلقةً بالأسباب التي دعت إليه، فهل يشي ذلك بأنّ الجماعة أصبحت من القوة والتأثير والنفوذ ما يجعلها في غنًى عن الاستمرار في التحالف مع حكومة العدالة والتنمية التي فتحت لها كلّ الأبواب؟ أم هل أنّ غولان يشعر بأنّ نجم أردوغان بدأ بالأفول وأنّ حظوظه في الاستمرار في الحكم بدأت تقلُّ نتيجة الصعوبات التي أخذ يواجهها في السنتين الأخيرتين سواء داخليًّا أو خارجيًّا، ولذلك بدأ يعمل منذ الآن على بناء جسور مع من سيخلف حكم العدالة والتنمية، خاصة أنّ غولان معروف بحسن قراءته للمتغيرات الدولية وقدرته على استثمار المعادلات السياسية الداخلية، وأنه يريد أن يكرر تجربته مع حزب العدالة والتنمية، ولكن مع أحزاب أخرى.

على طريق الرئاسة

عبر العقود التي سبقت وصول أردوغان إلى الحكم، تحكمت في دنيا الإعلام والسياسة والمال بشكل كبير 3 أسماء، خسر أولها المعركة في وجه حكومة أردوغان وهو مقيم الآن في فرنسا ومحكوم عليه غيابيا بالسجن لمدة 23 سنة، وهو جيم أوزان. أما الثاني، وهو إمبراطور الإعلام التركي، آيدين دوغان، فقد نجحت حكومة العدالة والتنمية في إضعافه عبر إجباره على تسديد ديونه للدولة ودفعه إلى بيع عدد من مؤسساته الإعلامية والتحقيق معه في تهم التورط في الدعوة إلى الانقلابات ودعمها. وأما الاسم الثالث، فيتعلق بأثرى العائلات التركية، والتي تعمل في كل قطاعات الاقتصاد التركي، من التغذية وصولا إلى الصناعات العسكرية، وهي عائلة كوتش ورئيس المجموعة الحالي مصطفى كوتش، والذي بدأت المواجهة العلنية بينه وبين حكومة أردوغان عندما اتهمه مقربون من الحكومة بدعم أحداث حديقة غيزي في الصيف الماضي، عبر التمويل وعبر التحريض على ذلك في “جامعة كوتش” الخاصة المملوكة للمجموعة، والتي أرسل عميدها رسالة إلى كل الطلاب قال فيها بأنه سيتيح لكل الطلاب المتغيبين عن الامتحانات إعادة الامتحان في وقت لاحق، وقد علق أردوغان بنفسه على هذه الرسالة في تلك الأيام.

وقبل ثلاثة أشهر، أعلن عن اجتماع رباعي حضره رئيس الجمهورية الأسبق سليمان ديميريل، والذي شغل منصب رئيس الوزراء سبع مرات خلال عقود الانقلابات العسكرية في تركيا، وحضره أيضا رحمي كوتش، وهو والد مصطفى كوتش والرئيس السابق لمجموعة كوتش، وكذلك تايلان بيلغان عضو مجلس إدارة مجموعة دوغان المملوكة لآيدين دوغان، حيث أجمع المعلقون على هذا الاجتماع على أنه انتهى إلى اختيار الشخص الرابع وهو مصطفى ساري غول، ليكون رجل المرحلة القادمة، وممثل حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية اسطنبول أولا، ولرئاسة الوزراء ثانيا.

كما كان متوقعا، وعملا بالعرف السياسي القائل بأن الطريق إلى قصر الحكومة في تركيا يبدأ من رئاسة بلدية اسطنبول، أعلن حزب الشعب الجمهوري منذ فترة قصيرة أن مرشحه في الانتخابات البلدية القادمة، والتي ستعقد في 30 آذار 2014، سيكون السياسي الشهير مصطفى ساري غل.

واللافت للأنظار هو أن ساري غل وبعد زيارة وفد عن حزب الشعب الجمهوري إلى أمريكا ولقائه بعدد من الشخصيات النافذة داخل جماعة فتح الله غولان، أبدى في خطاباته شيئا من التودد للجماعة، فبعد أن كانت الجماعات الإسلامية تمثل الخطر الأكبر على تركيا، منذ تأسيس الحزب ذو التوجهات العلمانية الراديكالية، أصبح ساري غل، وهو الرجل الثاني في الحزب، يدافع عن مواقف الجماعة وعن مراكز التدريس التابعة لها، ويصفها بأنها مهمة للحفاظ على المعتقدات الدينية.

وقبل ساعات من اختيار ساري غل مرشحا لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البلدية القادمة، قالت الإعلامية التركية الشهيرة، سيفيلاي يوكسالير، أن ساري غول بنفسه أخبرها بأنه عقد اتفاقا مع جماعة غولان وبأن الجماعة تدعمه وستدعمه في الانتخابات القادمة، مضيفة: “إذا كنت كاذبة فليخرج ويكذبني، لماذا يخجل من قول الحقيقة؟”، مؤكدة كلامها: “ساري غول يمثل مشروعا، وتقف خلف هذا المشروع مجموعة كوتش وجماعة كولن ولوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية”

وفي النهاية يجب أن لا ننسى أن جماعة غولان تشكل الخطر الأكبر الذي يحدق بأردوغان وحزبه نتيجة تمتعها بعلاقات قوية جداً مع مركز القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية وشبكة علاقات واسعة على مستوى العالم، قد تُلحق بالحزب الحاكم ضررًا أكبر ممّا تستطيع أن تلحقه به أحزاب المعارضة العلمانية مجتمعةً.

البعث ميديا || ترجمة وإعداد: أسامة شحود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.