على أبواب جنيف2

أحمد حسن

بالطبع، لا يمكن قراءة التغيرات الإستراتيجية المتسارعة على أبواب “جنيف2″، إلا بعد تفكيك دقيق للبيئة السياسية والميدانية المؤثرة فيه، وهو أمر يصب، في المحصلة النهائية لهذه القراءة، في خانة تأكيد حقيقة أصبحت جلية للجميع، ملخصها أننا وصلنا إلى مرحلة متقدمة في ما يعرف بموسم “النزول عن الشجرة”، وهي، لمن نسي أو يتناسى، شجرة الوهم التي صعد إليها البعض، في الداخل والخارج، مدفوعاً بقراءات أقل ما يمكن أن يقال فيها اليوم أنها كانت رغبوية طفولية من حيث التطلعات، وتدميرية كارثية من حيث النتائج، ليس لسورية وحدها بل للمحيط بأسره أيضاً.

والحال أن الدلائل والمؤشرات على هذا “النزول” أكثر من أن تعد وتحصى، وربما أفضل ما يعبر عنها ذلك الاتفاق الجماعي المعلن على استحالة أي حل للأزمة سوى الحل السياسي، وهو حل طالما رفضه علناً الخارج الغربي، وأتباعه الإقليميين والمحليين، كما يعبر عنها أيضاً بدء موسم صيد الأدوات المتطرفة، سواء بعضها لبعض، أو على أيدي جيوش دمشق وبغداد والقاهرة، وهذه العواصم -وهذا أمر له دلالاته الكبيرة جداً- تشكل مثلث المراكز الحضارية العربية عبر التاريخ، وبالطبع لا حاجة للعودة إلى التأكيد أن ذلك ما كان له أن يحصل لولا صمود القلعة السورية أساساً، والذي دفع بموسكو إلى الإعلان مبكراً عن “تشكل النظام العالمي الجديد انطلاقاً من سورية”، وإلى مسارعة رجل بوزن “هنري كيسنجر” للتحذير من مغبة التورط فيها لأنه “سيخل بالتوازن العالمي”.

بيد أن الصورة ليست بهذه الوردية الكاملة، والواقعية تدفع بنا للاعتراف بحقيقة أن البعض، وخصوصاً من ارتقى منهم سلم “الشجرة” المذهبية تحديداً، يصعب النزول عليه، أو لا يريد النزول أصلاً، خاصة أن المعركة، في جانب أساسي منها، معركة وجود لعروش وعمائم وعواهل وعاهات، بهذا المعنى نفهم استمرار البيانات المتشنجة “لأصدقاء سورية”، كما نفهم أن تأييدهم لحرب الإرهاب على الإرهاب، ليس إلا بهدف استغلال الدماء، المجرمة هذه المرة، لإرواء مشروعهم وتعضيد مواقفهم، وهو أمر يؤكد، فيما يؤكد، اقتناعهم، ولو على مضض، بأن الهدف الرئيس من “جنيف2” أصبح إصدار مرسوم أممي بتشكيل حلف محاربة الإرهاب، وهو حلف ليس له، بحكم منطق الأمور وحقائقها، سوى أن تكون سورية رقمه الصعب وأساس هيكله القادم.

لكن ما سبق يجب ألا يحجب عن وعينا حقائق عدة، أولها أن افتتاح “جنيف2” لا يعني، بكل تأكيد، نهاية الأمر، ولكنه يعني، وفق كل الحالات التاريخية المشابهة، أن مرحلة محددة في “الصراع المستمر” قد انتهت، لتبدأ مرحلة أخرى بشكل آخر وصورة مختلفة، وثاني هذه الحقائق أن التدخل الخارجي اتكأ بداية على حوامل داخلية، وتستر بشعارات ومطالب إصلاحية محقة، وإذا كان من الصحيح أنه سرعان ما أحرقها، على مذبح مشروعه القاضي بتدمير سورية مكاناً ومكانة، إلا أن هذا لا يلغي ضرورة أخذها بعين الاعتبار عند أي حل مقبل، بما يعني في المحصلة أن المطلوب حوار وطني داخلي معمق لزيادة منعة القلعة من الداخل، وهو أمر طالما “فخخت وفجّرت” الدول المموّلة والمسلحة كل إمكانية لتنفيذه، لكن تفكيك ألغامه كانت وما زالت مسؤولية السوريين ومعركتهم وحدهم، وهي معركة لنا فيها ألف ناقة وألف جمل، لذلك سنخوضها بكل تأكيد.

البعث ميديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.