الأمم المتحدة.. وغياب الدور والمصداقية ؟؟

  جاءت تصرفات الأمين العام للأمم المتحدة ” بان كيمون ” المرتبكة بدعوة دولة إيران لحضور مؤتمر جنيف2 ومن ثم سحب الدعوة عشية انعقاد المؤتمر المخصص لبحث الأزمة السورية وإيجاد الحلول المناسبة لوقف نزيف الدم السوري الطاهر الذي غطى تراب سورية تحت أعين وبمشاركة دول غربية وإقليمية ، كانت إيران خلال تلك الحرب الظالمة على سورية عامل مساعد وداعم للشعب السوري الذي أبدى صموداً أسطوريا للحفاظ على وحدة وحرية واستقلال الدولة السورية ، حيث استطاع أن يٌقاوم طغاة العالم كله على مدى قرابة الثلاث سنوات الماضية ، ليأتي استبعاد إيران الحليف الاستراتيجي لسورية استجابةً لضغوط أمريكية وإقليمية لم تكن في أي يوم تُريد الخير لسورية ولشعبها ، و ليثُبت من جديد غياب الدور الحقيقي المستقل للمنظمة الدولية ، وفقدانها المصداقية المطلوبة تجاه شعوب ودول العالم الأعضاء فيها ، وهذا ما يؤكد ما كنا نقوله باستمرار  بأن الأمين العام للأمم المتحدة مجرد موظف يتلقى التعليمات من الجانب الأمريكي وهو لا يُمثل إرادة مستقلة تُعبر عن طموحات الشعوب التي تنتمي دولها إلى تلك المنظمة الهلامية ، ولكنه هذه المرة وقع  في فخ مختلف كلياً عما كان يُواجهه سابقاً طيلة مدة تبوؤه لهذا الموقع ، حيث كانت إيران قد عبرت صراحة إنها غير ملتزمة بجنيف1 أو أية شروط مسبقة يُحاول أعداء سورية فرضها في جنيف2 ، وذلك لأن المرحلة الحالية بعواملها ومستجداتها تختلف كلياً عن العوامل والظروف التي أوجدت جنيف1 ، وبالتالي هناك تطورات هامة على الصعيد الدولي والإقليمي والسوري فرضت متطلبات جديدة نتيجة المواقف على الأرض ، وفي مقدمتها الانجازات المميزة والهامة التي حققها الجيش العربي السوري في معركته المصيرية ضد القوى والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود وحاضنتها المحلية ، وقد رفضت إيران على أثر قبولها الحضور بعد استلامها الدعوة ، قولبة المؤتمر حتى لا يخرج عن الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الهدف من انعقاده  ، وعلى أن يكون من أولى اهتمامات المؤتمر الدولي هو بند مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه الأساسية وتحميل الدول المشاركة في اللعبة كلٌ بدوره المسؤولية الكاملة تجاه مواقفه قبل الانتقال إلى البند الثاني المتعلق بمساعدة السوريين لفتح طاولة الحوار السوري – السوري والذي من المفترض أن يتم لاحقاً على الأراضي السورية وبرعاية دولية محايدة وفاعلة ، وإن اتفاق السوريين على شكل وطبيعة النظام الرسمي للدولة المنشودة يجب أن يكون نتيجة طبيعية لحوار وطني شامل وجاد وبمباركة من الشعب السوري بأغلبيته الواسعة حكماً .

  وإذ نُعيب على الأمم المتحدة ممثلةً بأمينها العام ” كيمون ” هذا الموقف الانهزامي بالتراجع عن دعوة إيران كدولة محورية وهامة في المنطقة ، نجد بأن هذا الموقف الهزيل لا ينتقص من مكانة إيران التي فرضت نفسها كلاعب دولي أساسي في مضمار رسم الخارطة الجيوسياسية الإقليمية والدولية رغم المواقف الأمريكية المعادية لها طيلة العقود الماضية ، وقد سبق أن اعترف ” جون كيري ” بلسانه عندما  انصاع الغرب الاستعماري لإرادة الشعب والدولة الإيرانية في جنيف النووي عندما قال : ” إيران دولة موجودة في المنطقة.. ” ، وهذا إشارة إلى الدور الإيراني الأساسي الذي لا يُمكن لأحد في العالم أن يتجاهله أو ينتزعه بأية طريقة ، وإن غياب الوفد الإيراني عن جلسات مؤتمر جنيف2 قد يُعطي زخماً إضافياً لحلفاء إيران ( سورية وروسيا والصين والعراق ) في التمسك بالثوابت التي نادت بها الحكومة الإيرانية ، وهي وحدة واستقلال سورية ، وبحق الشعب السوري دون غيره في اختيار قيادته ونظامه السياسي المنشود ، وقد أكد السيد وزير خارجية روسيا ” سيرجي لافروف ” ذلك عندما قال : ” بأن المبادرة الروسية الأمريكية التي اعتمد بموجبها جنيف2 لم تتضمن رؤية محددة حول مستقبل النظام في سورية ، ولم تتطرق إلى عملية تغيير   …”

  وقد أكد الشارع السوري من خلال الاستطلاعات الإعلامية واللقاءات الحوارية العديدة بأغلبيته الواسعة بأن الوفد الرسمي السوري برئاسة السيد وليد المعلم وزير الخارجية ، وحده هو الذي يُمثل الشعب السوري بكل أطيافه ومناطقه ، وهو في نفس الوقت يحمل في جعبته عناصر وصور تُثبت حقيقة الأحداث التي تتم في سورية وفظاعة الجرائم التي ارتكبتها العناصر الإرهابية المدعومة من دول محددة ، وإن تلك الدول لم تزل تُقدم الدعم بسخاء للمجرمين الذين يقومون بسفك الدم السوري الطاهر بشكل يومي .

   إن محاولة إسرائيل وعملائها في المنطقة الدخول على المؤتمر من خلال محكمة الحريري بهدف التشويش على مجريات المؤتمر ما هي إلا حركات مكشوفة ومفضوحة وساذجة في مرحلة بات العالم معها لا يقبل لعب الصغار في مضمار يشغله الكبار ، وإن ظهور شاهد جديد في قضية اغتيال الحريري وإطلاقه تصريحات متناقضة وهستيرية هو جزء من تلك البروبغندا الغبية ،  والقيام بتفجيرات إرهابية في بيروت أو غيرها من المناطق لترويع المواطنين الآمنين ، والتصعيد الأمني المجنون ، جميعها لا تخرج عن كونها تحركات عدائية مشبوهة بهدف عرقلة نجاح مؤتمر جنيف2 وقلب الطاولة بما يخدم مصالح إسرائيل وعملائها في المنطقة .

  يأتي اليوم انعقاد مؤتمر جنيف2 كامتحان هام لدور المجتمع الدولي الذي تحرر جزئياً من الهيمنة الأمريكية ، ولكي يُعبر عن إرادة مناهضة لتك الهيمنة التي فشلت على مدى عقودٍ ثلاثة في رسم سياسة دولية عادلة أو محايدة ، وإن نجاح جنيف2 مقرون بمدى جدية المجتمع الدولي وعلى رأسه الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بحل الحروب والنزاعات الدولية بالطرق السلمية بعيداً عن لغة السلاح ، وأما فشله فستكون نتائجه وخيمة على جميع الدول التي شاركت في التحضير له وبنت عليه آمال كبيرة ، وإن سورية وحكومتها الوطنية تُشارك في المؤتمر كأهم لاعب يحمل بيده الكرت الأحمر نيابة عن الشعب السوري بأغلبيته الساحقة .

                                                          البعث ميديا ||  محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.