مسرحية «بعباع الطمّاع» … تجربة ناجحة في مسّرح الطفل

يتداخل الممثل مع الجمهور بطريقة منسجمة ولطيفة؛ وتبدو المهمة أكثر مسؤولية لدى معرفة أنّ المسرحيّة للأطفال، إذّ يظهر بذلك الممثل أكثر رغبةً في لفت انتباه الطفل، واللعب معه، من خلال مزحة أو نكتة أو كلمة تثير حفيظته، وهو يجلس في كرسيّه منتظراً بداية العرض … وهذا ما فعله ممثلي العرض المسرحي الذي جاء بعنوان (بعباع الطمّاع) أو جزءٌ منهم. ويُقدّم العرض على مسرح القباني في دمشق عند الثالثة من ظهر كلّ يوم، ليمتلئ المسرح بهتافات الأطفال، وردات الفعل غير المتوقعة؛ بين رغبةٍ في متابعة العرض، وأخرى في تقليد ممثلٍ ما أعجبهم دوره؛ وبين مللٍ من أفكارَ مطروقة، وابتعادٍ عن جوّ المسرحيّة.

ويبدو أنّ التوقيت الذي يُقدّن فيه هذا العرض كان مناسباً جداً، سيّما وأنّ العطلة الانتصافية التي يحبّذها التلاميذ تأتي في وقتها للتنفيس عن ضغط امتحانات الفصل الأول. وبذلك يتوافد الحضور من أطفالٍ وأهالي وراغبين في مشاهدة مسرحيّة (بعباع الطمّاع) ليكتسوا ببهجة العرض، الذي حمل الكثير من المحاولات في شدّ الانتباه، وإضحاك الحاضرين ولو بالقوّة. ولربما هي طريقة غنيّة في مسكِ زمامِ الأمور ليدخل المتابع في سلسلة مترابطة من الخيالات، والأجواء اللطيفة – كتداخل قصتين معاً – من خلال حُلم الشخصيّة، وتمثيل مشاهد يشتركُ بها الممثلون من قصّة لأخرى، ولكن بالعموم جاء العرض ببعض الحركات التي يمكن التنويه إلى أنّها زائدة عن المطلوب، فكانت كما أنّها فائض عن الحاجة، ولربما هذا ما صنع تشويشاً لدى بعض الأطفال الذين تهربوا من المتابعة المستمرّة. فهي من جانب أغنت العرض وأعطته كفاته، ومن جانب زادت عن الحاجة المطلوبة، فذهبت بقسمٍ إلى زاوية الملل.

يبدأ العرض بأصوات يصطنعها الممثلون، ويكررونها لجذب انتباه الأطفال، وقد نجحوا في ذلك بسرعة، وبنفس الطريقة جاء الختام سريعاً، فتلونت الضحكة على وجوه الأطفال في وداع العرض بل إنّ بعضاً  منهم كان يقلّد الممثلين وهو خارج من المسرح مكرراً الأصوات ذاتها.

بعد مرحلة التعريف التي قام بها ممثلي العرض؛ والتي صنعت جوّاً احتفالياً مناسباً لعرض أطفال وقعت لحظة صمتٍ لم تكن مناسبة كفايةً، مما جعل صوت الأطفال وتندراتهم أقوى من صمت لحظة انتقال صاحب مسرح الدمى الذي جسّده الفنان (كفاح الخوص) إلى الحلم الذي يعدّ نقطة انطلاق القصّة المسرحيّة، ولكن لم يكن ذلك سيئاً، فكثير من الحركات اللاحقة غطّت هدوء الحالة.

في العرض الكثير من المشاهد الموصولة مع بعضها بسرعة، وهي جيدة لتحفيز خيال الطفل، لا سيّما طفل هذه المرحلة الذي يمتلك مخزون وافر من الذكاء، والمقدرة على نسج الحدث، ولو بالتلميح، ويبدو أنّ القصد من سرعة الأحداث موجّه نحو هذا الصوب، ولكن يقع الأمر صعباً على بعض الأطفال الذين رغبوا في تكملة قسمٍ من المشاهد، فمثلاً مشهد المشي على الحبل وروايته كان سريعاً جداً، ومشهد إصلاح خزان المياه كان أسرع وغيرها، وقد يحمل هذا النوع من القطع غير المناسب حالة من النفور، لأنّ متعة الخيال هي في تكملة المشهد وليس في البتر السريع! بمعنى أنّه لا توجد مساحة كافية لدى الطفل ليجعل من خياله قادراً على استكمال الصورة كون الوصل بمشهد قادم يأتي سريعاً.

جاءت المشاهد جميلة في نسيج اللغة العربية الفصحى، التي كرّستها مؤخراً بعض المحطات الفضائية  المهتمة بتقديم برامج للأطفال، فجعلت أطفالنا يرهقون منها بسرعة، لتكون الفصحى بمكان غير محبب لطفلنا، ولكن المسرحيّة لم تحمل هذا النوع من الإرهاق أبداً، بل ارتقت عن هذه الفجوة، وتقاربت المشاهد مع اللغة وكأنّها محكيّة وقريبة من الأذن والقلب معاً، فلم يكن مشهد الملك والملكة الذي قم به الفنانان (يزن الخليل وجيانا عنيد) غريباً عن الواقع أو من التراث القديم بل كان مألوفاً وناحجاً في الحبكة واللغة والنتيجة وطريقة عرضه مسرحيّاً.

حمل العرض جانباً مدروساً في الوصول إلى المغزى منه؛ وكان العنوان متكاتفاً مع المشاهد، فأولاً ينسجم الطفل مع المشاهد لينسَ أنّ الحكاية لها علاقة بالطمع، ولكن فجأة يأتي مشهد ما كمشهد الراعي الذي قدّمه الفنان (أسامة تيناوي) والوزير بعباع الذي قدّمه الفنان (كفاح الخوص) ليذكّرهم بهذه الخلّة المكروهة، وفعلاً كان العرض ناجحاً في تقديم الصفة باستساغة مقنعة للأطفال. غير أنّ طريقة الختام في تقديم فكرة أنّ الطمع صفة سيئة غير مستحبة؛ جاء تقليدياً جداً، من خلال أغنية عادية ورقصة ليست كما كان العرض في انسجامه الكليّ، وقد ذكّرتنا الرقصة مع الأغنية بالكثير من المسرحيّات التقليدية التي مللنا منها في مرحلة من المراحل السابقة.

ويبقى السؤال الذي لم أجد له الجواب الواضح أبداً!؟ من خلال مراقبة كلّ أحداث المسرحيّة، وهو لماذا تمّ اعتماد العناصر الأربعة في العرض المسرحي؟ (الماء، الهواء، النار، التراب) إذّ لم يكن الرمز ملموساً في مشاهد المسرحيّة ولم يتمّ تفعيّل الصورة للعناصر بشكلٍ كافٍ، فمن المتوقّع أنّ نرى ماءً حقيقيةً أو صورةً للنار أو صوتاً للرياح وغير ذلك، إلا أنّ ذلك لم يكن موجوداً إطلاقاً، ما عدا مشهد اقتراب نيرانة الدمية التي قدّمتها الفنانة (لوريس قزق) ، لينتهي العرض مع انتظارٍ لربط الرمز المعتمد منذ البداية مع أسماء الشخصيات ولكن دون قفلٍ له أبداً، بل جاء القفل بقرار صاحب مسرح الدمى في استئنافه لتقديم العروض من جديد! فهل المقصود بين رمز العناصر الأربعة الأساسية والرغبة في تحريك المسرح كمساحة مهمة في عالم الفن كونه الأساس؟ أمّ أنّ المقصود هو غاية بعيدة عن ذلك كليّاً؟ وهنا لم تتضح الإجابة أبداً. وعلى الرغم من ذلك لا يمكن لنا نفي قوّة العرض من خلال مشاهده المترابطة معاً، ومن خلال تعب الممثلين وذكائهم في جذب انتباه الأطفال، وتفاعل الأطفال بالكلام والدندنة والتصفيق مع كثير من المشاهد، وكذلك من خلال الفضاء الجميل الذي حمل طابع الغرفة القريب من بيئة طفلنا، والديكور البسيط الذي ولّد في مشاهد كثيرة البهجة والفرح من دون تكليف، كمشهد الراعي وخرافه وكلبه، وأيضاً في معظم الرقصات التي حملت طابع البساطة وعدم التكليف في تقديم حركات تحتاج إلى احتراف، وأيضاً إيصال المغزى بطريقة سلسة وتناسب الأعمار كافة، ومن دون أدنى شكّ كان العرض يحمل نسبة نجاح لا يستهان بها في التوقيت والنص وحضور الممثلين والإخراج وتعاونهم جميعاً. ويبقى أنّ نذكر بأنّ مسرحيّة (بعباع الطمّاع) من تأليف مقداد مسلم، وإخراج مأمون الفرخ، وتمثيل كلّ من كفاح الخوص، أسامة التيناوي، لوريس قزق، يزن خليل، وجيانا عنيد، وهي برعاية وزارة الثقافة – مديرية المسارح والموسيقا – مسرح الطفل والعرائس.

البعث ميديا – عامر فؤاد عامر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.