«دائرة النار » تلفح موعد إنعقاد الهيئات العامة السكنية ورئاسة الحكومة تصرّ..؟!!

لا يختلف اثنان على ضرورة إعادة الحياة للكثير من القطاعات التي أخرجها الإرهاب من ساحة العمل بعد أن استهدفتها العصابات المسلحة بهمجيتها و بعقيدتها الإجرامية التي قتلت واستباحت حياة الناس ودمرت وخربت الممتلكات العامة والخاصة، و في مواجهة هذا الفكر الظلامي الهدام جاءت جهود الجهات المعنية لتعزز إرادة الصمود من خلال التجاوب السريع مع مستجدات الأزمة ومعالجة تداعياتها  وتفعيل العمل المؤسساتي وتأمين إقلاع مختلف قطاعات العمل وبشكل يخدم توجهاتها في تحقيق مصالح المواطنين والتخفيف من معاناتهم التي يتقاسمها  الفقر والنزوح.

وطبعاً القطاع التعاوني السكني كان من بين القطاعات التي تحاول الحكومة إنعاشها واتخاذ القرارات التي من شأنها توفير الأرضية المناسبة لعمل هذا القطاع في هذه الظروف الصعبة وتذليل كافة المعوقات التي تحول دون الإقلاع بالعمل ،ولذلك كان قرار رئاسة مجلس الوزراء الذي يصر على عقد الهيئات العامة والمؤتمرات في موعدها المقرر وعدم تأجيلها إلى موعد آخر، في حين ترى وزارة الإسكان والتنمية العمرانية و الاتحادات  التعاونية السكنية في المحافظات عدم إمكانية ذلك بسبب الأحداث الاستثنائية التي يمر بها بلدنا. فمامدى صوابية هذا القرار؟ وهل يحقق  نتائج إيجابية لصالح قطاع التعاون السكني، أم ستكون  له  تداعيات كبيرة على مستقبل هذا القطاع ؟.

وجهة نظر

لم نعتقد أن لهذه القضية الكثير من النتائج السلبية فيما لو تم الإصرار على  انعقاد الهيئات العامة والمؤتمرات في  شهر نيسان القادم، ولكن لقاءنا مع صالح عيسى رئيس المكتب التنفيذي للاتحاد التعاوني السكني بدمشق أتاح لنا فرصة التعرف إلى تداعيات هذا القرار على القطاع التعاوني السكني، وقدّم لنا ما يراه أسباباً موجبة لتأجيل الموعد،  واللافت في حديثه أنه كان واثقاً من أنه ينقل وجهة نظر جميع الاتحادات السكنية العاملة في مختلف المحافظات.

عيسى الذي وضع حديثه حول إمكانية انعقاد الهيئات أو عدم إمكانية ذلك على سكة الظروف الاستثنائية والعصيبة التي تمر بها البلاد، أشار إلى أن  الأعمال التخريبية وممارسات المجموعات الإرهابية ألحقت بالقطاع التعاوني السكني خسائر كبيرة، وأثرت على عمله نتيجة الهجرة الداخلية والخارجية للمواطن السوري  وتخريب مقار الجمعيات بنسبة كبيرة وإتلاف موجوداتها، وخصوصاً الواقعة ضمن الأماكن الساخنة، و تخريب مشاريع هذه الجمعيات في تلك المناطق  التي  توقفت حركة الإنشاء والتعمير فيها، وذلك لعدم إمكانية الوصول إليها وزيادة أسعار المواد (حديد- إسمنت- واليد العاملة- وغيرها الكثير) لافتاً إلى فشل دعوة هيئات المستفيدين والهيئات العامة للجمعيات في العامين الماضيين نظراً لصعوبة التبليغ، وفقدان عناوين الأعضاء، وعدم اكتمال النصاب القانوني.

معطيات الواقع

ويستغرب عيسى إصرار رئاسة مجلس الوزراء على انعقاد الهيئات العامة في موعدها المقرر متسائلاً عن جدوى انعقادها في هذه الظروف وعن النتائج المأمولة منها في ظل الأوضاع الحالية، و أشار إلى التوافق الموجود بين موقف الاتحادات السكنية وموقف  وزارة الإسكان والتنمية العمرانية التي خاطبت  رئاسة مجلس الوزراء بموجب الكتاب رقم 3910/ص/9/1 تاريخ 23/12/2013 مقترحة  الموافقة على تأجيل انعقاد الهيئات العامة، وتمديد مدة ولاية المجالس واللجان المنتخبة لدى كافة قطاع التعاون السكني حتى تاريخ 31/12/2014 على أن يبدأ عقد الاجتماعات اعتباراً من تاريخ 1/1/2015، وذلك لعدم توفر الأماكن المناسبة لعقد الهيئات العامة والمؤتمرات، واستحالة تبليغ الأعضاء وفقاً للمادة/11/ من المرسوم التشريعي رقم 99/ لعام 2011وعدم إمكانية الوصول إلى العديد من مقار الجمعيات التعاونية من جهة أخرى، إضافة لتدمير العديد منها، إلا أن رد رئاسة مجلس الوزراء جاء بالرفض  (تعذر إجابة الطلب ) بموجب الكتاب رقم 402/1 تاريخ 8/1/2014).

فراغ إداري

ابتسامات عيسى ذات الإيحاءات المشككة في صحة هذا الرفض  وتعذر الاستجابة لمطلب التأجيل سبقت إجابته التي قال فيها: لابد من إدراك خطورة عقد المؤتمرات في نيسان القادم  من ناحية وقوع الجمعيات التعاونية السكنية والاصطيافية في فراغ إداري نتيجة فشل دعوة الهيئات العامة للجمعيات بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني للاجتماع الذي سيعطل عمل الجهات التعاونية، وإيقاف أعمالها وحساباتها لدى المصرف بسبب عدم قانونية استمرار عمل مجالس الإدارة الحالية، وهذا بالتالي سيؤثر سلباً على مؤتمر الاتحاد السكني كل التأثير، علماً بأن عدد الجمعيات القائمة حالياً لدينا /515/ جمعية وقدتم حل وتصفية 104 جمعيات لأسباب مختلفة، كما أن 98٪ من الدعوات التي وجهت لعقد هيئات عامة أو مستفيدين خلال فترة الأزمة باتت بالفشل لعدم اكتمال النصاب القانوني وبشكل كبير، هذا عدا عن قلة القاعات التي يمكن عقد اجتماعات فيها وعدم القدرة لتوجيه الدعوات في الفترة المسائية لأسباب ( أمنية -مواصلات- كهرباء).

وأشار عيسى إلى أن موقف اتحاد دمشق يستند إلى مواقف الجمعيات التابعة له حيث إن نسبة كبيرة منها تؤكد  على إمكانية  عقد هذه الاجتماعات في الفترة الحالية، ولذلك وبغية تحقيق المصلحة العامة(حسب قول عيسى ) وعدم الوقوع في الفراغ الإداري الذي يؤثر سلباً على عمل القطاع السكني على مستوى القطر، نجد  في تأجيل انعقاد الهيئات العامة وتمديد ولاية مجالس الإدارة واللجان المنتخبة لتاريخ 31/12/2014 على أن تبدأ اجتماعاتها من تاريخ 1/1/2015 فرصة لإنقاذ هذا القطاع وضمان انطلاقة حقيقية لأعماله .

مواقف مختلفة

يحيى الخطيب رئيس الاتحاد التعاوني في حماة أيد رأي عيسى فقال :من الصعب في هذه الظروف  تأمين النصاب القانوني لانعقاد الهيئات العامة، خاصة مع وجود الكثير من الصعوبات في الريف والتي ستمنعهم من الحضور في حال تمكنّا من دعوتهم، وهذا الواقع يفرض ضرورة التأجيل لتحقيق الغاية المرجوة من انعقاد الهيئات العامة والمؤتمرات .

من جهته محمود خالد رئيس الاتحاد التعاوني السكني في طرطوس قال: إن نسبة كبيرة  من أعضاء الهيئات من خارج المحافظة وهؤلاء جزء من الدورة الانتخابية (مؤتمر اتحاد فرعي أو عام ) ولا يمكن عقد اجتماع لعدم تحقيق النصاب (50+1) ولذلك نطالب بتأجيل الموعد، وفي الوقت نفسه نحن نتعامل مع كتاب عقد الهيئات بشكل رسمي رغم أن ذلك سيفرض تكلفة مالية  كون الدعوة تستلزم إرسال بطاقة بريدية وإعلان في الجريدة،  وهذا يعني دفع تكاليف تصل إلى 50 ألف دون أن تكون هناك  نتائج صحيحة وإيجابية .

ولم تختلف وجهة نظر صفوان الغنطاوي رئيس الاتحاد التعاوني السكني بحمص عن غيره من رؤساء الاتحادات السكنية، فقد أكد عدم إمكانية عقد المؤتمرات السنوية وذلك حسب مضمون المادة 11/ب من قانون التعاون السكني التي تشدد على ضرورة تبليغ العضو لحضور اجتماع الهيئة العامة السنوية تبليغاً خطياً مباشراً أو بموجب رسالة ترسل إلى موطنه المختار مرفقة بإشعار مسجل يعاد إلى الجمعية بعد التبليغ وتنفيذ مضمون هذه المادة على أرض الواقع غير ممكن حالياً بسبب الظروف  إضافة إلى عدم إمكانية الوصول إلى العديد من مقار الجمعيات التعاونية والتي تم  تدمير الكثير منها .

ولفت الغنطاوي إلى أن عدم الموافقة على التمديد للمجالس الحالية سيؤدي على إلحاق الضرر الكبير بالمنظمة والعاملين فيها من حيث عدم التمكن من جباية القروض المصرفية وتسديدها للمصرف والتوقف عن دفع رواتب العاملين في الجمعيات والاتحادات الخاضعين لقانون العمل رقم /17/ لعام 2010 والتوقف عن منح المواطنين الوثائق والثبوتيات التي تثبت الملكية نظراً لفقدان هذه الوثائق أثناء النزوح وعدم التمكن من إعادة مدخرات الأعضاء الراغبين بالانسحاب من الجمعيات نتيجة للظروف التي تسير نحو الأسوأ وتوقف الجمعيات التي تعمل في الأرياف عن العمل وعدم دفع استحقاقات المتعهدين لديها مثل (تدمر –شين –الحواش –رواد السياحة).

في مقابل مواقف التأييد التي سمعناها من قبل بعض رؤساء الاتحاد كان هناك موقف مغاير تماماً حيث أيد رمضان سعيد رئيس الاتحاد التعاوني السكني في القنيطرة  قرار انعقاد الهيئات العامة وكانت له وجهة نظر مختلفة عن الآخرين، فهو يؤكد على ضرورة عقد الهيئات العامة التي ترهلت نتيجة توقفها عن العمل لفترة طويلة من الزمن، وكما رأى في انعقادها فرصة حقيقية لترميم النقص  الحاصل في كوادر مجالس الإدارة ورفدها بالدماء الجديدة  حيث يتم تشكيل مجالس مؤقتة من الكوادر الموجودة فعلياً لمتابعة العمل، ولفت إلى أنه رغم الظروف الاستثنائية يستطيع عقد الهيئات العامة في القنيطرة وتأمين حضور 70% من أعضائها وتحقيق النصاب القانوني ل23 جمعية سكنية موجودة في المحافظة .

 تطابق الموقف

 موقف وزارة الإسكان والتنمية العمرانية لم يختلف عن موقف بعض رؤساء الاتحادات  فهي ترى حسب كتابها الموجه إلى  رئاسة مجلس الوزراء رقم 3901 ص د 1/1 تاريخ 23/12/2013 أنه نظراً للظروف الاستثنائية والعصبية التي تمر بها البلاد، وعدم توفر الأماكن المناسبة لعقد الهيئات العامة والمؤتمرات واستحالة تبليغ الأعضاء وفقاً للمادة /11/ من المرسوم التشريعي رقم /99/ لعام 2011 من جهة وعدم إمكانية الوصول إلى العديد من مقار الجمعيات التعاونية من جهة أخرى وإضافة لتدمير العديد منها، وحرصاً على تجنب وقوع جهات قطاع التعاون السكني في فراغ إداري نتيجة إمكانية فشل دعوة الهيئات العامة للجمعيات بسبب عدم تحقيق النصاب القانوني للاجتماع الذي سيعطل عمل الجهات التعاونية وإيقاف حساباتها لدى المصرف بسبب عدم قانونية استمرار عمل مجالس الإدارة الحالية.

 وأشارت الوزارة إلى كتاب الاتحاد العام للتعاون السكني رقم 939/ص/تاريخ 12/12/2013 الذي يطالب  بتأجيل انعقاد الهيئات العامة وتمديد ولاية المجالس واللجان حتى تاريخ/31/12/2014، على أن يبدأ عقد الاجتماعات اعتباراً من تاريخ 1/1/ 2015 وذلك انسجاماً مع أحكام المادة رقم 27/ب من المرسوم التشريعي رقم /99/ لعام 2011 الناظم لعمل قطاع التعاون السكني والتي تقول ( تدعى الهيئات العامة للانعقاد سنوياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية للنظر في الموضوعات الواردة في جدول أعمالها…

ضرورة التنفيذ

رد رئاسة مجلس الوزراء على مطلب التأجيل لم يكن إيجابياً، حيث جاء في متن كتابها رقم 402/1 تاريخ 8/1/2014 الموجه لوزارة الإسكان والتنمية العمرانية ( بخصوص طلب الموافقة على تأجيل انعقاد الهيئات العامة وتمديد مدة ولاية المجالس واللجان المنتخبة لدى كافة جهات قطاع التعاون السكني حتى تاريخ 31/12/2014 على أن يبدأ عقد الاجتماعات اعتباراً من تاريخ 1/1/2015 بعد العرض وجه السيد رئيس مجلس الوزراء بتعذر إجابة الطلب).

ولاشك في أن رد مجلس الوزراء  بعدم الموافقة على تأجيل انعقاد اجتماعات الهيئة العامة للجمعيات وتمديد ولاية اللجان والمجالس لعام 2014 دفع الاتحاد العام التعاوني السكني إلى  توجيه دعوة الى اتحادات المحافظات يطالب من خلالها كافة مجالس الإدارات بدعوة الهيئات العامة للانعقاد حتى موعد أقصاه 30/4/2014 وموافاته بقائمة تتضمن أسماء الجمعيات التي تم فيها انعقاد الهيئات العامة مع أسماء مجلس الإدارة.

واللافت أن زياد سكري رئيس الاتحاد التعاوني وضع هذه الموافقة في خانة الالتزام بتوجيهات وزارة الإسكان، أما وجهة نظر الاتحاد وموقفه من انعقاد الهيئات العامة، فهي متطابقة مع الآراء المؤيدة للتأجيل، حيث يرى أن هناك الكثير من القضايا الموضوعية التي تفرض تأجيل دعوة الهيئات، وخاصة في الظروف الحالية الصعبة التي لاتسمح بعقدها، فالمادة 11 من قانون التعاون السكني حددت طرق تبليغ الأعضاء بشكل مباشر أو ببطاقة بريدية، وهذا لا يمكن تحقيقه في الوضع الراهن .

ولفت إلى موضوع النصاب المطلوب لعقد الهيئات العامة، حيث يتطلب ذلك في الاجتماع الأول حضور 51% من الأعضاء، وفي الاجتماع الثاني 50+1 أو عشر الأعضاء، وفي حال عدم تحقيق هذه النسبة يلغى الاجتماع بحكم القانون أو عن طريق المحكمة.

واستبعد سكري فكرة عقد الهيئات بمن حضر كونها تتعلق بالمصالح المالية للناس والأموال الخاصة، وهذا مايفرض ضرورة حضور الأعضاء.

وأشار إلى خسائر كبيرة جداً في القطاع السكني التعاوني، وخاصة في المناطق الساخنة التي دمرتها المجموعات المسلحة وسرقة محتوياتها .

بالمحصلة

يبدو أن خصوصية المرحلة بظروفها الصعبة تمنح أسباباً وجيهة وحججاً قوية لتمسك جميع الأطراف بوجهات نظرها التي لا تخرج عن سكة المصلحة العامة حسب منظور كل جهة للواقع وللمرحلة القادمة بكل متغيراتها،  ولكن ذلك لا يعني بقاء حالة الأخذ والرد مستمرة خاصة بوجود شبه إجماع من الاتحادات السكنية ووزارة الإسكان والتنمية العمرانية ليس على فشل هذه الخطوة بل على تداعياتها السلبية فيما لو تم عقد الهيئات العامة في هذه الظروف، وهذا ما يفرض مواجهة حتمية  مع صوابية القرار الحاسم لرئاسة مجلس الوزراء بهذا الخصوص. فهل تعيد قرارات الأيام القادمة الجميع إلى ساحة الحوار والصوابية القائمة على معطيات الواقع الفعلي والأخذ  بعين الاعتبار برأي أصحاب الشأن في هذا القصاع مبرراتهم للتأجيل أم تستمر حالة التمترس خلف الأراء والقرارات بغض النظر عن الجهة، و صوابية أو خطأ ماتتبناه، وبذلك تضيع المصلحة العامة وتتلاشى فعالية الإقلاع بهذا القطاع الحيوي فتكون الخسارة للبلد بأكمله ؟.

بشير فرزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.