الإدارة الأمريكية و الخيار الصعب؟

لم يعد خافياً على أحد من المراقبين للسياسة الخارجية الأمريكية الدور الملتبس الذي تلعبه على الساحة الدولية في المرحلة الحالية ، وخاصة ما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية تحديداً ، وحالة الارتباك التي تتسم بها التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض ، سيما بعد سلسلة الهزائم العسكرية التي حصدتها سياسة الحرب المفتوحة على مدى عقدين من الزمن ، كان آخرها إطلاق يد تنظيم القاعدة الإرهابي والفروع التابعة له في المنطقة العربية كمقدمة للانسحاب العسكري من أفغانستان ، ومن ثم التحالف المشبوه مع جماعة الإخوان المسلمين الذي لم يتمكنوا من الصمود لوقت طويل أمام إصرار الشعوب العربية على مواجهة الفكر التكفيري الوهابي وإسقاطه بقوة الوعي الشعبي كما حصل في مصر ، وقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام الخيار الصعب للخروج من هذا المأزق الذي وضعت نفسها به ، فإما أن تستمر بسياساتها الفردية معتمدةً على حلفائها من المعسكر الاستعماري المقيت للحفاظ على بقية أدواتها في المنطقة العربية ، أو عليها تقديم تنازلات قاسية قد تؤدي بكل تأكيد إلى تغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة انطلاقاً من نتائج الحرب الظالمة على سورية ، بحيث يكون أكبر الخاسرين أدوات الولايات المتحدة في المنطقة وعلى رأسهم السعودية وقطر وتركيا ، ومن خلال متابعة كواليس الدبلوماسية الدولية يستطيع المتتبع أن يستنتج بأن الولايات المتحدة أصبحت جاهزة نفسياً لقبول الخيار الصعب مقابل الحفاظ على بعض مصالحها الحيوية في المنطقة وخاصة حصتها من مواد الطاقة ( نفط وغاز ) ، السؤال الذي يفرض ذاته هنا هو : ما هو السبب الذي جعل الولايات المتحدة تقبل بهذا الخيار ، رغم قناعتها بأنه سيقود إلى غياب دورها ولو جزئياً عن المنطقة بعد أن كانت الآمر النهائي والمتصرف بأمرها ؟

  يقول الفيلسوف الأمريكي الشهير ” بول كيندي ” في كتابه الهام ” صعود وسقوط القوى العظمى ” : ” فإن ثمة أربعة آلاف عصابة أو ميليشيا تنتشر داخل الولايات المتحدة وتعمل تحت شعار ( إما النقود أو الموت ) ناهيك عن وجود نحو مليوني قطعة سلاح متوسط وخفيف بيد تلك الجماعات الخارجة عن القانون ….” من هنا نستنتج بأن الفكر الأمريكي يتعامل الآخرين على إنهم مجرد سلع استهلاكية ، وتلك هي حقيقة التربية الإيديولوجية الأمريكية ، التي لا ترى ما يمنعها من التحالف مع أي تنظيم إرهابي لقاء تحقيق المصالح الفردية وهنا في المنطقة العربية ” المصلحة الإسرائيلية ” هي الأساس ، بغض النظر عن ميزان الخسارة والربح في المصلحة الأمريكية ذاتها ، وهنا تبرز قضية استهلاك العملاء والأدوات التي تنفذ الأجندة السياسية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط  دون أدنى تفكير ،  وبالتالي لا غضاضة لدى الإدارة الأمريكية بعد أن تتيقن من تأمين المصالح الإسرائيلية في المنطقة من أن تحرق عملائها بزيت كاز تدفع هي ثمنه حتى لا تخرج روائحهم ثانية على الساحة السياسية الدولية !

   ما تسعى الإدارة الأمريكية لحجبه في جنيف2 ، هو الاعتراف بالهزيمة الجيواستراتيجية التي لحقت بها وجاءت نتيجة الفشل الذي حققه التحالف الخبيث مع التنظيمات الإرهابية التكفيرية تحت مسمى ” الجهاد ” لتدمير سورية الدولة والمجتمع  ، وتسليمها للجرذان الذين يجوبون أقبية الاستخبارات الغربية بحثاً عن مكان يحتلونه على أنقاض الدولة السورية ، وتبين لأمريكا وأتباعها بأن ذلك مجرد حلم من أحلام اليقظة المضنية ، وعلى الرغم من ارتفاع سقف الخطاب المعادي لسورية من قبل السيد ” كيري ” وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر ” مونت رو السويسرية  ” ومن ثم في ” دافوس ” هناك من يؤكد بأن القناعة الراسخة لدى الأمريكان وحلفائهم هي الحل السياسي للأزمة السورية ، نظراً لاستحالة القيام بأي عمل عدواني مباشر ، ولكن هناك محاولات مستميتة من الجانب الأمريكي للحصول على بعض مما لم يتحقق في الإرهاب عبر الدبلوماسية والحوار السياسي ، تحت يافطة إن ” الجبهة الإسلامية ” و ” الجيش الحر ” وغيرها من الألوية الإسلامية تُحارب الإرهاب وبالتالي على الولايات المتحدة وأتباعها تقديم الدعم والمساندة لهم ، تلك الكذبة الكبيرة لا تنطلي على الحكومة السورية وقيادتها السياسية التي تضع محاربة الإرهاب بكل أشكاله وألوانه هدفاً أولياً  للخوض في أي حل ، حيث لا يُمكن لأي حل سياسي الحياة في ظروف أمنية سيئة ، وإن كل من يحمل السلاح في وجه الجيش العربي السوري والدولة الرسمية السورية هو إرهابي ومجرم وستتم ملاحقته في أي مكان على الأراضي السورية ، وفي مقدمة هؤلاء ” الجبهة الإسلامية ” وغيرها من التنظيمات ” المعتدلة ” وفق النظرة الأمريكية .

   الحكومة السورية والوفد الرسمي المكلف بالتفاوض في جنيف وضعوا الخطوط الحمراء التي لا يُسمح لأي كان بتجاوزها أو القفز فوقها ، لأنها تُمثل حدود السيادة الوطنية والاستقلال في القرار ، وما دون ذلك فهي جزئيات لا يوجد ما يمنع من التفاوض عليها وحولها ، وكل ما هو في خدمة وقف سفك الدم السوري الطاهر وإعادة الأمن والآمان للوطن يجب أن يتقدم على أية تفاصيل أخرى ، وهنا تؤكد الحكومة السورية مرة جديدة جديتها في الوصول إلى حل الأزمة السورية سياسياً ، وفق مبادئ القانون الدولي وقوانين الأمم المتحدة التي تعتمد الديمقراطية الشعبية الصحيحة التي تحتكرها صناديق الانتخاب دون غيرها .

 محمد عبد الكريم مصطفى

 Email: Mohamad.mustafa@Gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.