هل سيُحدث مؤتمر جنيف ثغرة في جدار الأزمة؟!

الرفيق د. خلف المفتاح

عضو القيادة القطرية للحزب

لا شيء حتى الآن يشير إلى احتمال حدوث اختراق حقيقي في جدار الأزمة في سورية، من خلال ما جرت وتجري عليه الأمور في مونترو، وجنيف، فالواضح أن ما سمي الائتلاف الوطني، وداعميه الإقليميين والدوليين مازالوا يطلقون التصريحات عالية السقف، وهم يدركون جيداً أنها لا تمتلك إمكانية القبول، والتنفيذ على الواقع، لأسباب، وعناصر، ومعطيات موضوعية بات الجميع يعرفها ويلمسها حقيقة قائمة، سواء في ساحات المواجهة العسكرية أو على الصعيد الشعبي، والبيئة الإقليمية والدولية.

إن قوى المعارضة الخارجية وداعميها الإقليميين والدوليين يقعون في خطأ الحسابات، أو الأوهام السياسية إذا اعتقدوا أنهم قادرون على تحقيق أهدافهم بالوصول إلى السلطة عبر الضغط السياسي، أو المنابر الأممية، أو العناوين المخادعة، كالحديث عن هيئة حكم انتقالي هي المعادل الموضوعي «لإسقاط النظام» على مراحل، بعد أن عجزوا عن ذلك باستخدامهم كل أشكال القوة العسكرية، والتحريض الإعلامي، والضغوط الاقتصادية، وغيرها من أشكال العدوان على الشعب السوري، والدولة السورية، وهو ما قوبل بمواجهة قل نظيرها من الجيش العربي السوري، مدعوماً من قاعدة شعبية عريضة، وقيادة سياسية رفضت كل أشكال الضغوط، ومحاولات الابتزاز التي مورست عليها من قوى كبرى دولية، وإقليمية اعتقدت أنها قادرة على لي إرادة الشعب السوري، وإخضاعه لمشاريع الهيمنة، باستخدامها لفائض قوتها العسكرية، والمالية، ونفوذها السياسي، ورصيدها من الحكام الذين كانوا دائماً يؤدون الدور الوظيفي الموكل إليهم، خدمة لمصالح القوى الاستعمارية، وحليفها، وصنيعتها الكيان الصهيوني المحتل.

إن الحشد الدولي الكورالي غير المسبوق الذي أعدته واشنطن وشركاؤها في الحرب على سورية، في مونترو السويسرية، لم يكن له أي ارتكاس سلبي على وفد الجمهورية العربية السورية للمؤتمر، بل إنه أدى مفعولاً عكسياً تماماً، حيث استعملت الدبلوماسية السورية العريقة كل خبرتها المتراكمة، وصوابية موقفها، ورصيدها الأخلاقي والوطني، وقوة الأوراق التي تملكها في الميدانين: العسكري، والمجتمعي لتمتص، وتواجه الضجيج الإعلامي، والسياسي الذي حاول ناظر السياسة الأمريكية فرض إيقاعه على الحضور، مستخدماً لغة الغطرسة الأمريكية، معتقداً أنها لحظة الاقتصاص التي لا تعوض بمواجهة من تسبب له ولحلفائه بصداع سياسي دائم، ولكن كانت الصدمة غير متوقعة حين أشار الوزير المعلم إلى الوزير كيري محذراً أنه ليس من حق أحد، أياً كان، التدخل بشؤون سورية الداخلية، وحقوقها السيادية، فهذه سورية، وليست جمهورية من جمهوريات الموز، أو ممالك البترودولار.

لقد شكلت كلمة رئيس وفد الجمهورية العربية السورية، الأستاذ وليد المعلم، المستمدة من توجيهات السيد الرئيس بشار الأسد، رسالة واضحة لكل من حضر المؤتمر، مفادها أن الرؤية السورية للحل تنطلق من رغبات، ومصالح، وأولويات الشعب السوري، لا رغبات، ومصالح القوى الخارجية، وما أنتجته من كائنات سياسية افتراضية، عملت وجهدت كي تضفي عليها طابع الشرعية عبر تسويقها دولياً بهدف استثمارها سياسياً، ومن ثم استهلاكها بعد انتهاء صلاحيتها، كعادتها مع أدواتها، وتوابعها السياسية على الدوام، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى، ناهيك عن أن محاولات اللعب بالمصطلحات لا يمكن أن تنطلي على أحد، فالحديث عن هيئة حكم انتقالي، كما أشرنا، ما هي إلا عبارة ملطفة، ومساوية تماماً لمقولة «إسقاط النظام» التي أطلقها معسكر الحرب على الدولة السورية.

إن أولويات من عانى من نتائج العدوان على الشعب السوري، أو لجأ ونزح عن بلده، أو بلدته، أو قريته، وحيه، أو فقد أسباب تحصيل لقمة عيشه، وأمنه، واستقراره، ومن ضحى بدمه، وماله، ورزقه، واكتوى بنيران الإرهاب، هي بالتأكيد غير أولويات من عاش في الفنادق، وأغدق عليه حكام الخليج من أموال نفطهم، وأعطياتهم، حاطّاً الرحال بين عاصمة وأخرى، برفقة وسائل إعلام مضلل تريد أن تجعل من النكرات معارف، وممن كانت تصفهم ذات يوم إرهابيين، ثواراً ومجاهدين.

إن مؤتمر جنيف الذي يتمنى كل سوري مخلص، ومحب لبلده، أن يصل بسورية إلى شاطئ الأمن والأمان والاستقرار، يمكن أن يشكل بداية مسار لحل الأزمة، شريطة أن يغلِّب السوريون جميعاً، وخاصة أولئك الذين تورطوا بتلك الحرب القذرة على الدولة السورية، والشعب السوري، مصالح الشعب، ورغباته، وأولوياته على مصالح ورغبات وأولويات القوى الخارجية، وهي باعتقادنا واضحة للجميع، فمن يرع احتراق سورية، ومن أسهم، وسهّل وغذى الحريق السوري، لا يمكن أن يكون رجل الإطفاء فيه، وهذا أيضاً شأن من استثمر، وتسوّل، وتاجر بدماء السوريين من دول، وحكام، وأشباه حكام!.

إن الانطلاق من المساحات المشتركة بين بعض الأطراف الفاعلة في الأزمة، والمنخرطة حقيقة في إيجاد الحل – وهو أمر ممكن – تدرجاً من السهل إلى الصعب، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المعقّد، يمكن أن يشكل ثغرة، ولو بسيطة، في جدار الأزمة يفضي بالنتيجة إلى جذرها وعمقها وفق أولويات يتفق عليها، والأولويات تعني تركيز الجهد باتجاه مسار دون إغفال المسارات الأخرى، سواء كانت مواجهة العنف، والإرهاب، أو المسار السياسي الإصلاحي، وهذا بالتأكيد يحتاج إلى إرادة صادقة، وحسن نوايا، وقبل هذا وذاك التحلل من سطوة القوى الخارجية المنخرطة في كل تفاصيل الأزمة.

البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.