الائتلاف.. غياب العقلانية والوطنية

د. عبد اللطيف عمران

إذ ابتعدنا قليلاً عن خطاب السياسة والإعلام، واستخدمنا العلم والمنطق الرياضي في التحليل السياسي فسيتضح علمياً وببداهة أن وفد الائتلاف لما يسمى بالمعارضة المشاركة في جنيف2 يفتقد أي مرجعية وطنية تجعل في وجوده وطروحاته أي بارقة أمل وطنية أو عروبية.

هذا يتأكد من بنية الائتلاف ووفده ومن وظيفتهما، فما معنى أن تتخيّر السعودية وأمريكا وتركيا الوفد الذي سيفاوض وفد الجمهورية العربية السورية في قضايا مصيرية، وأن يُستبعد من استُبعد من شخصيات ودول؟ وما معنى أن يكون هذا الوفد المتخيّر كالجالس على النار يقفز فوراً ليطلب المدد والمشورة من الرعاة الذين طالما كانوا أعداءً لحقوق شعوبنا ولقضايانا الوطنية والعربية؟.

جميعنا يعرف ذلك وخاصة الابراهيمي نفسه المواطن الجزائري الذي لايمكنه نسيان حركة التحرير الجزائرية، كما لا يمكنه أن ينكر أن “الغموض البنّاء” الذي يعتبره نظرية للتفاوض يتناقض مع الذود عن الثوابت والمبادئ والحقوق الوطنية والعربية، ولا أن ينسى الآثار السلبية للرؤية الاستعمارية والأجندات غير الوطنية على حركة التحرر العربية.

من منّا لايدرك أسباب قفز الائتلاف ووفده ورعاته منذ اللحظات الأولى في جنيف2 فوق المبادئ الخمسة الأولى لجنيف1 قفزاً مباشراً إلى المبدأ السادس والأخير وصولاً إلى التذكير بالفصل السابع والتمهيد لطلب العدوان الخارجي كما صرح أكثر من عضو من وفد الائتلاف؟ ومن منّا – والابراهيمي معنا  – لا يدرك أن هذا تجاهل وتناقض وتدمير لجنيف1 و 2 ؟ فهل يستطيع أي سوري أو عروبي إذا لم تغب عنه العقلانية والوطنية أن ينكر أن ورقة المبادئ التي تقدم بها وفد الجمهورية العربية السورية أول أمس، وورقة الإدانة أمس هما نفسهما المبادئ الأساسية التي بُني عليها جنيف1 والتي تتمسك بالسيادة وترفض التدخل الخارجي والاستعانة به لاستمرار العنف ولإحداث تغيير داخلي.

هذه المبادئ لايمكن على الإطلاق للائتلاف ولوفده ولرعاته إلاّ أن يرفضوها ببساطة، لأنها تمهّد لقيام بيئة سياسية واجتماعية ينتفي معها الإرهاب، وتكون مناسبة للحوار الوطني ولخطوات المسار السياسي لحل الأزمة. فالائتلاف بارتهانه للخارج لا يستطيع أن يتمسك بالسيادة، ولا أن يرفض التدخل الخارجي.

وبالمقابل كان رفض الائتلاف بالأمس إدانة قرار أمريكا بالدعم العسكري للمسلحين توجّها أمريكاً سعودياً تركياً مستمراً ليس جديداً يصب في خانة الاحتكام إلى السلاح بيد العصابات التي تقوّض الأمن وتهدّم مؤسسات الدولة الوطنية، وهذا تسعير للاقتتال ونسف للمسار السياسي وتقديم الحل العسكري عليه، وهو مايتناقض مع جنيف1 ويخرّب جنيف2، ويجعل من هذا الرفض المشفوع برعاية أمريكية سعودية باباً مغلقاً في وجه الإطار السياسي لحل الأزمة، هذه الرعاية التي صار مؤكداً أن هدفها تدمير الدولة الوطنية السورية بمؤسساتها ومكوناتها ووظيفتها.

فمن الواضح أن أعضاء هذا الوفد، وكذلك أغلب شخصيات الائتلاف أسارى قيود سربلوا أجسادهم وضمائرهم بها فصاروا رهائن لأجندات الممولين. فهل يستطيع عاقل في العالم أن ينكر ارتهان هؤلاء لأدوات الاستعمار القديم والجديد«تركيا الأردوغانية والغرب» وللمشروع الرجعي العربي بصيغته الوهابية«السعودية وقطر»؟ وهذه أدوات لا شك كان ولا يزال يستند إليها المشروع الصهيوني في المنطقة.

هذه الحقائق تتطلب من الشعب العربي في كافة بلدانه – بعد هذا النكوص المريب في الوعي والانتماء – استنهاض حركة تحرر وطني عربي على غرار ماشهدنا في مطلع القرن الماضي، حركة تحرر مستنيرة علمانية بعيدة عن الطوائف والمذاهب تناضل كما سبق ضد الاستعمارين القديم والجديد وضد الرجعية والصهيونية.

وبالعلم وبالمنطق وبحقائق التاريخ والجغرافية، لا يمكن بناء دولة غير وطنية في سورية، هذا مايرفضه الشعب السوري الذي يعشق الحرية والتحديث والتنوير، ويكره التكفير والوهابية وأمريكا والسعودية وأزلامهم من ائتلاف وغيره كرهاً تاريخياً مستحكماً لن تستطيع خلاله سلسلة جنيف الوصول إلى حلّ إلاّ من دمشق الوطنية والعروبية أبداً.

ولهذا يصبح الائتلاف كما نطق المأفون حمد بن جاسم إتلافاً يعمل على تدمير التاريخ والجغرافية والعبث بالواقع الديمغرافي والجيوسياسي للمنطقة، وهذا ما لايمكن النجاح فيه أبداً إلاّ حين يصبح روبرت فورد، بول بريمر سورية كما يحلمون ويعملون.

البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.