أمريكا التوليتارية: الولايات المتحدة والعالم… إلى أين (1)؟

مقدمة

يقف الكثيرون في العالم العربي موقفاً معادياً للسياسات الأمريكية في المنطقة، وهم في هذا على حق لأن هذه السياسات، ومنذ الرفض الأمريكي لطلب مصر عبد الناصر تمويل السد العالي، سياسات تتصف بالجهل بثقافة شعوب المنطقة وعدم الحساسية لأمانيها المشروعة مع التأييد الأعمى لسياسات إسرائيل العدوانية وأطماعها في الأراضي العربية.

يعتقد ميشال بوجنون موردان مؤلف كتاب “أمريكا التوليتارية: الولايات المتحدة والعالم… إلى أين؟” أن الولايات المتحدة قوة احتوائية تريد امتلاك مجمل مكونات الكيان الذي تعيش فيه، وهي – أي الولايات المتحدة – مدفوعة بهاجس السيطرة على العالم وأمركته. ويجوس الكاتب لإثبات هذه الرؤية في التاريخ والضمير الأمريكي، ويرصد بنظرة عابرة ولكن ثاقبة لحظات تكونهما التي أخرجت ما يعرف بالأمة الأمريكية إلى الوجود، الأمة المختارة باختيار القدر فحسب، الأمة المفعمة بالعقيدة الكالفينية، فيقول المؤلف عن هذه العقيدة إنها تقرر ما يلي :”لئن كان الله قد سمح بأن يجتمع في أرض الولايات المتحدة شعب من رجال ونساء مميزين، فذلك لأنه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم”. ويقول موردان :”إن استيطان الولايات المتحدة كان يجري في الأصل في سياق أيديولوجي ثنائي القطب، أولا: الاغتناء المادي، وثانياً: تمجيد الإنجاز الإلهي”.

فالأمة الأمريكية، كما يعكسها الكتاب ورجال الكنيسة والمثقفون الأوائل، هي شعب الله المميز الذي جاء على قدر، فوليام مستوغتون (1631-1701) يرى أن الله اختار مواطني الولايات المتحدة بعناية، فغربلهم كما تغربل الحبوب لفصل البذرة الصالحة عن غيرها. وجون وينثروب، حاكم مستوطنة ماساشوستس عام 1629، ذهب إلى وصف نفسه وأصحابه بأنهم في خدمة المسيح وأنهم يرتبطون معه بميثاق، وأنهم أعضاء جسم فريد موحد، وهم شعب الله المختار.

وقال كوتون ماذر :”إن الولايات المتحدة كانت قبل مجيء المهاجرين الأوائل لأرض الشيطان، وإنه، أي الشيطان، سيستعمل كل حيله للحؤول دون استيطان المستوطنين”. وبهذا تكونت صورة الهندي الشرير والبربري المسكون بالشيطان، في مقابل الرجل الأبيض المختار المسكون بالخير المتصف بالتحضر. وأيضاً في مقابل الأسود الجاهل الذي لا يجيد التمتع بالحرية “كما هي في الولايات المتحدة”. ويقودنا الكتاب إلى أن الشعب الأمريكي مسكون بحقيقة مفادها أنه يجسد أمراً إلهياً قاده إلى الاستيطان وإبادة الشعب الأمريكي الأصلي واستعباد الشعب الأسود، ثم دفعه لبدء السيطرة والهيمنة على العالم.

ورأى بنيامين فرانكلين أن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، وأن المؤسسات والعادات والمبادئ الأمريكية جاهزة للتطبيق في كل مكان. ومع هذه الوظيفة الفريدة تلازمت ضرورة التوسع في الأراضي، فالولايات المتحدة، في رأيه، ليس لأرضها القومية سوى حدود غامضة متحركة قابلة للتوسع باستمرار اعتماداً على ثنائيتها الأيديولوجية: أنموذجية شبه صوفية غازية من جهة، ومحو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير أمريكي من جهة ثانية. ومر توسعها في دوائر ثلاث.

في الأولى ضمنت الولايات المتحدة بواسطة الإبادة الخالصة للهنود الحمر، وبالاستعباد الاجتماعي والسياسي للسود، دائرة أولى تمكنها من الانطلاق نحو غزو أوسع. ومن أهم تواريخ التوسع في هذه الدائرة، تعاظم الأمة حين ابتاعت لويزيانا من نابليون، عام 1908. وفي العام 1823 حدد الرئيس مونرو المبدأ الذي يحمل اسمه، مبدأ الحياد ذي الطابع الدفاعي الموجه ضد أي تدخل أجنبي في شؤون القارة الأمريكية، واستعملت هذه العقيدة لاحقاً لتعميم التوسع الإقليمي، وأن للولايات المتحدة وحدها حق حراسة الأمريكيين، والتي كانت تعني بكلمات واضحة “خضوع الولايات المتحدة اللاتينية لمصالح الولايات المتحدة ثم لقراراتها”.

وفي الدائرة الثانية بدأ غزو الولايات المتحدة لأمريكا اللاتينية في منعطف القرن الثامن عشر، ضمن مشروع تحرير أمريكا اللاتينية.

أما الدائرة الثالثة فهي الفترة التي نمت فيها الولايات المتحدة على حساب الصراع الأوروبي – الأوروبي الذي كلف أوروبا خسارتها لكثير من مستعمراتها ومواقع نفوذها. ففي الحربين العالميتين الأولى لم يتورع الأمريكيون عن تزويد المتحاربين بالأغذية والأسلحة والمنتجات مقابل المال، مما زاد من حصتها التجارية في التعامل مع عدد من الدول الأوروبية، ولم تتدخل في الحرب إلا للمحافظة على التوازن العالمي وللدفاع عن التجارة البحرية التي هددتها الغواصات الألمانية.

وقد جنت الولايات المتحدة الكثير من الأرباح والفوائد من الحرب، بينما كانت مذبحة لأوروبا فدفعت الثمن من دمائها واقتصادها. إن الفوضى التي نتجت عن الحرب الثانية شملت اليابان والصين والاتحاد السوفياتي وأوروبا، فقد أصاب هذه الدول الانهيار في جميع المجالات وعانت من العجز والبحث عن عمل والتضخم، فالحرب وضعت هذه الدول على حافة الإفلاس، بينما كان لها أثر معاكس في الولايات المتحدة. فقد أنهت الأزمة الاقتصادية وامتصت البحث عن عمل وكشفت طاقات إنتاجية غير متوقعة.

والأمر هكذا، فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تستثمر تفوقها في الحرب وازدهارها نتيجة لها، واستفادت من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي لاقتياد الدول الأوروبية إلى توقيع معاهدات ستؤدي تدريجياً إلى نسج شبكة عنكبوتية سياسية اقتصادية مالية استراتيجية ودبلوماسية، ستوقع فيها واشنطن العالم الحر الأوروبي على مراحل. ويرى الكاتب أن بنية صندوق النقد الدولي كانت تؤسس لهيمنة أمريكية لا رجوع عنها، فالولايات المتحدة تمتلك فيه حق النقض وأكثرية فعلية يسمحان لها بألا يجري التصويت إلا على ما تريد تمريره، وكذلك في المصرف الدولي الذي يتلخص دوره بتأمين الانتقال من الاقتصادات الوطنية إلى الاقتصاد المعولم، والولايات المتحدة تهيمن عليه وتملك الأغلبية فيه.

وعلى الصعيد العسكري، فإن الحلف الأطلسي يقوم برقابة عسكرية على أوروبا، وكان قد بدأ في العام 1949 كأي حلف كلاسيكي يتساوى فيه الأعضاء، غير أن الولايات المتحدة فرضت نفسها كقائد وحيد للحلف بما كانت تقدمه من مساعدات ولاحتكارها السلاح النووي.

لم تكتف الولايات المتحدة باحتكارها للقوة المسلحة من خلال الحلف الأطلسي وقبعات الأمم المتحدة الزرقاء، وباحتكارها للاقتصاد من خلال المؤسسات الدولية الخاضعة لتقلبات السوق التي تتحكم بها الولايات المتحدة، إنما احتكرت أيضاً وسائل الاتصال الجماهيري، ويقدر المؤلف بأن الوكالات الأمريكية للأنباء قادرة على مراقبة 90% من الإعلام المبثوث. والإعلان يدين للولايات المتحدة بأنها جعلت منه سلاحاً فعالاً، للتلاعب بعقول الجماهير وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي، ومعظم أجهزة التلفزة تحاكي البرامج الأمريكية.

أما في مجال السينما فإنه لا طاقة لأوروبا في الصمود في مواجهة مدفعية هوليود، فقد تلاشى معظم إنتاجاتها الوطنية في هاوية الصناعة السينمائية الأمريكية. فضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة أجادت استخدام التكنولوجيا وتسيطر على معظم محركات الاتصال في العالم، وتخضع الإنترنت لشركاتها العملاقة، وذلك في الوقت الذي أساءت فيه أوروبا “استعمال التنمية التكنولوجية”.

الإمبراطورية الأمريكية وأطماعها في العالم العربي

قال أوباما في خطابه أمام قادة وممثلي 193 دولة الأعضاء بالجمعية العامة للأمم المتحدة أن الولايات المتحدة أصبح لديها من التواضع ما يجعلها تنأى بنفسها وبقدراتها عن التدخل في تحديد مصير الأحداث داخل بلدان أخرى، وأضاف أوباما :”إن فكرة الإمبراطورية الأمريكية قد تكون دعاية مفيدة، ولكنها لا تحرك السياسة الأمريكية الحالية أو الرأي العام”. يبدو أوباما هنا، مثله مثل الكثير من المفكرين والسياسيين الأمريكيين، يتحاشى، أو على الأصح لا يستسيغ، توصيف الولايات المتحدة بالإمبراطورية، لأن ذلك يستتبع الاعتراف بأن لديها مشروعاً إمبراطورياً. وربما يخشى أوباما أن يلتصق بالولايات المتحدة ما علق بالإمبراطوريات الكلاسيكية السابقة من إرث شديد السلبية وقائم، وفق ما تعيه الذاكرة الجماعية للخبرة الإنسانية، على السلب والنهب والقتل والتدمير.

صحيح أن الولايات المتحدة غير مثقلة بإرث استعماري، إلا أن لديها من المقومات ما يجعلها إمبراطورية قال عنها الكاتب والناقد الأمريكي لورانس فانس إنها ستجعل كل من تربع على عرش الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، من الإسكندر والقيصر وأغسطس وجنيكز خان إلى السلطان سليمان والإمبراطور جوستنيان والملك جورج الخامس، فخوراً وحاسداً. وما يميز الإمبراطورية الأمريكية، ليس سيطرتها المباشرة على أجزاء مترامية من الكرة الأرضية أو تجمعاتها السكانية الكبرى، بل هيمنتها على العالم بشكل غير مسبوق. وعلى سبيل المثال يتمركز أكثر من نصف مليون جندي أمريكي في أرجاء مختلفة من العالم ويتبع البنتاغون، في داخل الولايات المتحدة وخارجها، أكثرُ من نصف مليون منشأة ومبنى موزعة على أكثر من خمسة آلاف موقع، ويدير البنتاغون حوالى 30 مليون هكتار في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى وجود أكثر من 700 قاعدة عسكرية أمريكية موزعة على 63 بلداً في العالم. وترتبط الولايات المتحدة في اتفاقيات أمنية ثنائية في أكثر من 35 دولة، ولها وجود عسكري تحت مسميات مختلفة (تسهيلات، تدريب وحماية أو تموين) في أكثر من 156 دولة في العالم. وهذا يعني أن نفوذ القوات الأمريكية موجود في أكثر من 75% من دول العالم. ووفقاً للاقتصادي والمؤرخ الأمريكي، روبرت هيجز، تنفق الولايات المتحدة عملياً على الدفاع ما يقارب تريليون دولار، أي ما يعادل نصف الإنفاق العسكري لدول العالم، وتسيطر الولايات المتحدة بأساطيلها البحرية المنتشرة على معظم الممرات المائية في العالم وخطوط الملاحة. وهي قسمت الكرة الأرضية إلى مناطق جغرافية، تخضع كل منطقة منها لقيادة عسكرية خاصة بها ومزودة بالسفن الحربية والطائرات العاملة في منطقة مسؤولياتها.

وهذه القدرة العسكرية الكبيرة تستند إلى قاعدة اقتصادية متينة كانت بعد الحرب العالمية الثانية مسؤولة عن حوالى 57% من الإنتاج العالمي، بالإضافة إلى اعتماد عملة الدولار كأساس للتبادل في النظام النقدي العالمي، مع ترسيخ الانطباع بثبات واستقرار نموذجها الاقتصادي للنظام الرأسمالي العالمي الجاذب للودائع والاستثمارات الآمنة. بالإضافة إلى سيطرتها على وسائل الإعلام، وانتشار سلعها وابتكاراتها ونمط معيشتها الاستهلاكي الجذاب، علاوة على انفتاحها لاستقبال اليد العاملة الاحترافية المهاجرة إليها، وسمعة جامعاتها المرموقة، وصولاً إلى مطاعم الوجبات السريعة.

بعبارة أخرى، قدمت الولايات المتحدة صورتها إلى العالم بأنها بلد الفرصة السانحة لجني الثروة وتحقيق الحلم الإنساني بالتقدم والنجاح الفردي، رغم كثرة مشكلاتها الداخلية التي لا تعد ولاتحصى. وقد ساعد في ذلك الموقع الجغرافي للولايات المتحدة وانهماك شعبها بدورة اقتصادية معيشية استهلاكية مرفهّة قياساً ببقية العالم، بعيداً عن الانخراط في هموم السياسة والسياسيين.

فسَر الساسة الأمريكيون دوافع التدخل الأمريكي في الشؤون الدولية، وخاصة المنطقة العربية، بأنها من أجل حماية المصالح الحيوية للأمن القومي الأمريكي، وخير مثال على ذلك ما ادعاه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر في تبريره الحرب على العراق عام 1991 بحماية فرص العمل في الولايات المتحدة. فالنفط يشكل العجلة التي تسيِّر الاقتصاد العالمي، وتستهلك الولايات المتحدة بمفردها ربع الإنتاج العالمي، رغم أن تعداد سكانها لا يتجاوز 5% من سكان العالم.

لقد حدد المشروع الإمبراطوري الأمريكي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، جملة من الأهداف الثابتة في الوطن العربي تضمنت السيطرة المطلقة على مخزونات الطاقة، والتحكم في عملية الإنتاج وتحديد الأسعار، وحماية طرق الإمداد. واحتواء النفوذ السوفياتي أو المد الشيوعي، والحيلولة دون بروز نفوذ دولي وإقليمي منافس لهيمنة الولايات المتحدة. وحماية إسرائيل وضمان أمنها والحرص على تفوقها العسكري النوعي. ويندرج تحت هذه الأهداف الكبيرة عدد من الإجراءات التي تساعد في تحقيقها، على سبيل المثال: ضمان ولاء وتبعية النظام الرسمي العربي، وإقامة قواعد عسكرية وتقديم تسهيلات لوجستية للقوات الأمريكية وتهميش دور مؤسسات العمل الإقليمي المشترك، أو أية ترتيبات أمنية أو اتحاد أو تعاون إقليمي، إلا إذا كانت بمبادرة أو رعاية أمريكية ولخدمة أهدافها، والتهديد والتلويح بمشاريع الإصلاح والتغيير ونشر الديمقراطية كوسيلة ضغط وابتزاز للنظام الرسمي العربي، وحرمان البلدان العربية من تطوير برامج نووية، واتخاذ أية محاولة باتجاه مثل هذه البرامج ذريعة للتدخل العسكري تحت عنوان الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.

البعث ميديا- المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.