«جنيف2» في إطار الصورة الأكبر

أحمد حسن

 ربما يمكن تلخيص نتائج “جنيف2” بكلمتين لا أكثر: سقوط الأقنعة، وربما كان ذلك أفضل نتيجة يمكن لها أن تحصل في هذه المرحلة على الأقل، فقد أثبتت واشنطن، علنياً هذه المرة، أنها لا تريد حلاً سلمياً للأزمة، فيما أثبت “فريق فورد”، علنياً أيضاً، أن همه الوحيد وهاجسه الأكبر، كان وما زال، استلام السلطة في سورية، أما أطروحات القرار المستقل، وأغنيات السيادة الوطنية، وموشحات مكافحة الإرهاب، وشعار الشعب يريد، فتلك مجرد ادعاءات براقة طارت مع أول نسمة من رياح  جنيف الباردة.

والحال أنه لا يمكن قراءة “جنيف2” إلا في إطار الصورة الأكبر والأشمل، وإلا ستبقى قراءة مبتسرة ومنقوصة، وبالتالي غير مفهومة بالكامل، فالمؤتمر عقد كمحطة على طريق محاولة واشنطن ترتيب ملفاتها في منطقة قررت مغادرتها باتجاه الشرق، وهذا ليس انسحاباً كاملاً كما قد يظن البعض، بل هو ترتيب للأولويات الاستراتيجية لمواجهة المخاطر الأكثر تهديداً في المرحلة المقبلة كما تراها النخبة الحاكمة هناك، وهي نخبة تتجاوز الانقسام الشكلي بين جمهوري وديمقراطي.

إذاً ليس ما حدث ويحدث سوى محطة من محطات الصراع على مستقبل المنطقة والعالم، أدواراً وأحجاماً ومناطق، وإذا كان الموقف السوري الرسمي واضحاً وجازماً في ثباته على خياراته وأهدافه وتطلعاته وتموضعه، إلا أن الواجب الوطني، بل والوجودي أيضاً، يرتب على جميع السوريين، بغض النظر عن تموضعهم السياسي الحالي، الارتقاء إلى هذا المستوى من فهم الصراع، لأن مشروع الإركاع والاستتباع لن يتوقف بزوال “النظام” كما يعتقد البعض ويراهن واهماً، لا في المدى القريب ولا البعيد أيضاً، وها هو مركز أبحاث الأمن القومي في “تل أبيب” يخلص في تقديره الاستراتيجي السنوي الجديد، إلى أن التقسيم وإطالة أمد الحرب في سورية لإنهاكها أفضل وضعين “لإسرائيل”، ويبدو أنهما أفضل وضعين لبعض العرب أيضاً، الذين أسقطوا في “ميونيخ” بالأمس ورقة التوت الأخيرة عن تحالفهم الاستراتيجي والعضوي مع “إسرائيل”، بعد أن سبق لهم تعميد هذا الحلف بدماء السوريين الذين يمثلون آخر قلعة ممانعة لـ “حل القضية الفلسطينية” نهائياً، وليس لإيجاد حل متناسق مع القرارات الدولية والحقوق الطبيعية وعلى رأسها حق العودة، الذي يحاول العرب وأده اليوم عبر إبعاد الفلسطينيين عن المنطقة، وهو جوهر الحرب على مخيمات لجوئهم في سورية، أو توطينهم في الأردن كوطن بديل، كما يبدو من القرارات الأردنية الأخيرة، المموّلة خليجياً بالكامل.

بهذا الإطار الواسع نفهم استعادة نغمة الخيار العسكري، والتي جاءت بعد أن أفشلت دمشق خطة كيري المتمثلة باستخدام منبر جنيف لتطويعها عبر تحديد مستقبلها الجيوسياسي بسياقه ورجالاته، وهو ما يفسر الإصرار على أولوية تطبيق بند “هيئة الحكم الانتقالي” وفق التفسير الأمريكي الحصري، لإدخال فريق هزيل لا يمثل سوى “فورد”، لكنه مضمون الولاء، إلى صلب القرار السياسي والعسكري السوري.

وبهذا الفهم تصبح قراءة ملامح المرحلة المقبلة أكثر سهولة ويسراً، وصورتها: جولات متتالية من المفاوضات، لكنها ستكون تحت النار، بمعنى أن الكلمة اليوم وغداً هي للسلاح والتصعيد والتهويل، والدليل أنه مع إعلان التسليح الأمريكي، بدأت الاتهامات بعرقلة تسليم الأسلحة الكيميائية، ثم بدأ، ولو نحو خجول، الكلام “المخابراتي” عن الأسلحة البيولوجية وقدرة الحكومة السورية على إنتاجها في وقت قليل، وتلك، على ما يبدو، ستكون مادة وسائل الإعلام “إياها” في المرحلة المقبلة.

لكن الثابت في ذلك كله، أن “جنيف2″، كما أنهى بعض الأوهام المتعددة، أنهى أيضاً وهم “الائتلاف” ودوره وقدراته وتمثيله الحقيقي على الأرض، وقد ينهي أيضاً وهم ودور “فخامة الرئيس فورد” ذاته كما تتحدث بعض الصحف المحسوبة على الخط الأمريكي، لكن الكلام الفصل سيبقى، كما في كل زمان ومكان، للميدان ولا شيء غيره، فلولا الميدان ما كان “جنيف2″، والسيف يبدو أنه سيبقى “أصدق أنباء من الكتب”، ومن المفاوضات أيضاً.

البعث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.