البعث ومخاطر تراجع حركة القومية العربية

بقلم الرفيق الدكتور عبد اللطيف عمران ||

تعيش الآن جماهير الحزب وكوادره وقواعده واقعاً قاسياً لم تمر به من قبل، تنمو فيه أسباب التجزئة والتخلف والرجعية والتدخل الأجنبي. في هذا الواقع يبرز التساؤل التالي: هل لا يزال حزبنا يلبي حاجات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ ومع هذا التساؤل ينظر البعثي إلى ما أصاب الأحزاب الأخرى، وإلى قدرة هذه الأحزاب في التعامل مع المتغيرات.

فلا شك في أن الحياة الحزبية المعاصرة في العالم تعيش حالة إرباك نجمت عن السرعة والعمق والتنوع في متغيرات الواقع السياسي الإقليمي والدولي. فلم تعد الأحزاب الأيديولوجية مع ثمانينيات القرن الماضي على ما كانت عليه من قبل، أما الأحزاب البرامجية فقد استطاعت التكيّف أكثر مع هذه المتغيرات.

هذا الإرباك ينسحب على جميع الحركات والمكونات الوطنية والقومية التقليدية التي اعتراها كثير من التغيير والتصدّع، بحيث يستمر رسم خرائط جيوسياسية جديدة في العالم.

ولا شك أيضاً في أن المشروع القومي العربي يتعرض اليوم لأعنف هزة أصابته في تاريخه لا يزال ينجم عنها ردّات فعل متنوعة بتنوع الصدمات التي تلقاها منذ نكبة 1948 التي فعّلت الحركة القومية العربية، وكذلك حركات الاستقلال الوطني. وستكون الصدمة التي تلقاها هذا المشروع منذ أواخر عام 2010 ذات أثر كبير تبدو بعض ملامحه الخطيرة في مظاهر العنف والانفعال والوعي البدائي وبروز المذهبية والعرقية وصولاً إلى التكفير والقتل والإرهاب وتقطيع أوصال الأوطان والأمة، والتنسيق في هذا كله مع الغرب الاستعماري والصهيونية والرجعية العربية كما هو واضح.

وإذا كان الواقع العربي يرزح اليوم تحت هذه المظاهر الخطرة التي تتقدم وتنتشر بسرعة، فما هو المجال الحيوي المتاح لنشاط حزب البعث المعروف بتاريخه النضالي وبأدبياته التي شملت مساحة الوطن العربي بأكمله ومنذ سبعة عقود من الزمن؟.

هناك اليوم مراجعات وأصوات تعلو أحياناً وتخفت أحياناً أخرى تتساءل بمرارة عن أهداف الحزب بين النظرية والواقع، وأغلب هذه الأصوات لا يزال يرى في الحزب ضمانة وعاصماً من هذه المخاطر الهدّامة للهوية والوعي والانتماء الوطني والعروبي.

والحقيقة فإن الحزب اليوم أمام تحديات عديدة وأسئلة مصيرية تُطرح على جماهيره وكوادره، منها:

– لم يستطع الحزب في تاريخه ومنذ نشوئه أن يضع برامج واضحة تجاه عدد كبير من المسائل. فقد ورد في منطلقاته النظرية أن: «لمنطلقات الحزب جوانبها السلبية.. وإن نشوء الحزب في ظروف تاريخية مضطربة ترك أثره في تكييف شعاراته المرحلية وعمله السياسي.. وقد تُرك الحزب -بسبب عدم وضع نظرية كاملة له منذ بداية نضاله- مفتوحاً للانفعال.. لذا فإن نقد بعض المفاهيم التي وجدت فيه هو وحده الكفيل بتصفية آثارها»، وعلى الرغم من الحيوية التي انتابت العمل الحزبي في عدة مراحل -على سبيل المثال قدّم الرئيس بشار الأسد في ختام أعمال المؤتمر القطري التاسع عام 2000 رؤية ديناميكية لأهداف الحزب في الألفية الثالثة- إلا أن الحزب حتى اليوم لم ينجز المطلوب، ولم يظهر قدرته في التخلي عن عدد من المقولات الأيديولوجية التقليدية.

– استمرار بروز أثر الظاهرة التنظيمية في الحزب «تغيير القيادات والكوادر» وكذلك أثر علاقة الحزب بالسلطة، على حساب صلة الحزب بالمجتمع وبواقعه الفكري والاقتصادي والاجتماعي. فقد  وقف الحزب مثلاً مرتبكاً في العقد الماضي أمام طرح اقتصاد السوق الاجتماعي، وما يتصل بتطور الأثر الخطير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP على المجتمع والدولة والذي كان أخطر من أثر صندوق النقد الدولي الذي يلعب بالنقد، بينما لعب الأول بالمجتمع.

– لم يتمكن الحزب من بناء قواعد دعم شعبي مستدامة تنتجها استراتيجيات جديدة مبتكرة، واستمرأ الحديث عن نظرية المؤامرة، وبادر متأخراً إلى الاعتراف بأثر «قصور العامل الذاتي» ومعالجته.

– تأخر الحزب في إدراك أهمية الناتج الجدلي عن وجود أحزاب وطنية “معارضة”… إلخ.

 ولا مشكلة إذا طال الحديث هنا فالنقد والنقد الذاتي من صلب العمل الحزبي. لاسيما حين أثبتت ظروف الأزمة الكبيرة الراهنة أن جماهير الشعب والحزب قادرة على التعامل مع هكذا تحدّيات.

فرغم ضراوة المواجهة بين الدولة الوطنية السورية وبين الرجعية والغرب والإرهاب والصهيونية، فقد وقفت أغلب جماهير الشعب والحزب إلى جانب الجيش العربي السوري العقائدي البطل في الدفاع عن سورية ووحدتها وسيادتها ومبادئها. وكان لهذه الجماهير الدور الحاسم -وفي طليعتها كوادر الحزب وقواعده- في الحفاظ على استمرار قيام مؤسسات الدولة الوطنية بواجبها… ما يسهم في إنجاز النصر القريب.

هذا الإنجاز، يجب على الأحزاب الوطنية والمنظمات والنقابات أن تستثمره سياسياً وشعبياً لإطلاق حركة سياسية وطنية عروبية تفوّت الفرصة على من يراهن على الخلافات بين الحركات والأحزاب الوطنية والقومية.

لاسيما أن هناك نجومية نضالية تسطع في الشارع العربي ترى في سورية وفي الرئيس الأسد أملاً جديداً وواعداً للخروج من حالة التردّي العربي.

 وعلى هذه الأحزاب وفي طليعتها البعث أن تؤكد أهمية التلاحم والتكامل بين البرنامج الوطني، والواجب القومي العربي، لأن انتصار سورية القريب سيذكّر بانتصار مصر عام 56 على العدوان الثلاثي وما أعقبه من نهوض وطني وعروبي وهزيمة للرجعية والعمالة للغرب.

2 thoughts on “البعث ومخاطر تراجع حركة القومية العربية

  • 06/02/2014 at 10:26 م
    Permalink

    مقالٌ رفيع يوصف واقع ويقدم حلول منطقية والنقد جريء وبناء

    Reply
  • 06/02/2014 at 10:30 م
    Permalink

    الصحافة تفخر بقلمٍ له هذه القدرة التحليلية النقدية التي تقدم وصوفاً حقيقيةً للراهن من احداث ومجريات شكرًا لك ايها البعثي الرائع الذي نتابعه باحترام ونتمنى أن يكون جميع الصحافيين البعثيين بجرأتك وقدرتك الأدبية

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.