مساحة حرة

كرة النار الاوكرانية والإنتقام من موسكو ..؟؟

د.تركي صقر

ما أن تعا فت موسكو من إنهيار الاتحاد السوفيتي وبدأت صعودها الكبير داخليا وعالميا مع تسلم بوتين الرئاسة حتى راحت الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الغربيين ينصبون الأفخاخ ويزرعون الألغام لوقف الصعود الروسي وتطويقه وتحجيمه فامتدت اصابعهم لتأجيج الازمة في القوقاز ودعم الإرهاب الشيشاني والاستمرار في اشعال الحرائق في اطراف الاتحاد الروسي تحت مسمى الثورات البرتقالية فكانت احداث جورجيا واحداث اوكرانيا وتواصلت حملات تأليب وتحريض دول آسيا الوسطى واوروبا الشرقية على موسكو وتعميق الكراهية والعداء لها وكان التصعيد يشتد كلما ازداد  حضور روسيا في المشهد الدولي .

وفي سياق الترتيبات التي أعدوها لإقامة شرق أوسط جديد في اطار ما أسموه الربيع العربي تم عزل روسيا كليا عن مجرى الاحداث بل تم خداعها واستغفالها في الموضوع الليبي عندما استغلوا قرار مجلس الامن الدولي لاسقاط النظام الليبي بالقوة وهو مخالف لنص القرار مما شكل مرارة لدى الدبلوماسية الروسية وكان درسا في الوقت نفسه دفع موسكو لليقظة والانتباه الى الخطط المبيتة لعزلها وتهمشها وحينما حاولوا تكرار التجربة الليبية مع الازمة في سورية وجدوا ان طريقه مغلق تماما وان التشدد الروسي فاق توقعاتهم وان الفيتو الروسي الصيني المزدوج الذي استخدم ثلاث مرات متتالية قد قضى على أية بارقة أمل لهم في التدخل المباشر في الشأن السوري او مجرد التفكير بإعادة السيناريو الليبي  في الحالة السورية .

لقد سطع نجم بوتين والسياسة الروسية من خلال الحدث السوري الملتهب عندما وضع الروس ثقلهم كله على المحك للحيلولة  دون  انكسار الدولة السورية  وتفكيك مؤسساتها وتدمير سيادتها واستقلالها وهذا ماأدى الى افشال مشروع الشرق الاوسط الجديد ونسفه من جذوره وخاصة عندما سقطت الصفقة الامريكية الاخوانية في مصر وانهار مخطط اردوغان في إقامة الاميراطورية العثمانية الجديدة في الوطن العربي ولم ينفع تقدم السعودية  واستلامها ملفات التغيير بعد فشل قطر وتركيا وهي التي فشلت حتى الآن  في كل الخطوات التي اقدمت عليها ما عدا نجاحها في تصدير الارهاب ونشر ثقافة القتل والاجرام اما اعادة الحياة لمشروع الشرق الاوسط الجديد فولت الى غير رجعة .. وكان من نتيجة الصمود السوري الاسطوري ان باءت المحاولات السعودية بالفشل ولم يكن حظها بافضل من حظ تركيا وقطر ناهيك عن انقلاب المشهد ضدها عربيا واقليميا وحتى دوليا بعد افنضاح امرها كدولة راعية للارهاب و تمارس ارهاب الدولة الرسمي المنظم معتمدة على الفكر الظلامي التكفيري المعاكس لمنطق الحياة والعصر والمرفوض في كل بقاع الارض ..

وخلال ثلاث سنوات من عمر الازمة في سورية سجلت السياسة الروسية نجاحات كبرى وقوضت معادلة القطب الواحد التي امسكت بها واشنطن لعقود في الساحة الدولية ولم يعد بمقدورها احتكار القرارات في مجلس الامن الدولي او التلاعب بها فالفيتو الروسي الصيني وتكتل دول البريكس والالبا غير اتجاه الرياح العالمية وابطل سياسة استخدام القوة العسكرية في التدخل قي شؤون الدول الاخرى وسجلت الدبلوماسية الروسية نجاحا لافتا في انجاز الاتفاق الكيمياوي السوري والاتفاق النووي الايراني ولم يكن الاعتراض السعودي والخليجي على هذين الاتفاقين اكثر من فقاعة صابون  وتبددت احلامهم مع نجاح الدبلوماسية الروسية في عقد مؤتمر جنيف 2 في احتمال عودة الولايات المتحدة الامريكية لشن عدوان على سورية واعتماد الخيار العسكري المباشر او تكرار التجربة الليبية  فيها  ..

حاولت السعودية بتكليف من واشنطن لجم الاندفاعة الروسية تجاه سورية عبر طريقين الاول الاغراء بطائل من الاموال وتأمين المصالح الروسية كاملة في سورية والمنطقة والثاني التهديد بمعاودة الارهاب الاسلامي على اوسع نطاق في الداخل الروسي  وحتى تعطيل الاولومبياد الشتوي في سوتشي وظهر ذلك من خلال الزيارتين الطويلتين التي قاما بهما زعيم الارهاب السعودي بندر بن سلطان وتم فعلا عرض عشرات المليارات من الدولارات كما نفذت محاولات ارهابية في ميترو موسكو وفلغا غراد وابطلت العديد منها  في منطقة سوتشي وزادت  هذه الألاعيب من تصلب الروس وتشددهم في الملف السوري وسجلوا نجاحا مهما آخر في خرق السور الامريكي السعودي المضروب حول مصر باقامة علاقات مع النظام الجديد ووصول المشير السيسي الى موسكو وتشجيع ترشيحه للرئاسة من قبل بوتين بالذات  الامر الذي اطار صواب الادارة الامريكية ..

إزاء هذه الكم الهائل من نجاحات السياسة الروسية عادت الولايات المتحدة الامريكية الى اوراقها القديمة للانتقام من سياسة بوتين فحركت عجائز اوربا لاشعال الحريق في اوكرانيا وتكوين معارضة ارهابية مسلحة محرضة من الدول الاوربية ومدعومة بالمال السعودي والخليجي وتحت يافطات الثورة والحرية والديموقراطية ذاتها في دول ما يسمى الربيع العربي ورغم ان احداث اوكرنيا اثناء الثورة البرتقالية التي صنعوها منذ سنوات لم يسقط فيها قتيل واحد ولم تخرب او تحرق مؤسسات الدولة الا ان الاحداث الجديدة ارادواها ان تكون دموية وتدميرية لبنية الدولة والجيش فسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى من الشرطة والمدنيين في ليلة وا حدة واحرقت مؤسسات حكومية ودمرت ابنية واوقفت قطارات الميترو في سابقة من العنف قد تكون مرشحة للمزيد بهدف دحرجة اكبر كرة من النار في وجه الكرملين .

انه الا نتقام اللئيم الحاقد هذه المرة من المواقف الروسية وعلى وجه الخصوص نجاح سياسة موسكو في منع العدوان الامريكي على سورية وتثبيت خيار الحل السياسي لأزمتها  وترتيب المشهد الدولي خلافا لسياسات الهيمنة الامريكية والغربية التي بدأت تتهاوى في ظل النجاحات الروسية الصاعدة على مستوى الاقتصاد العالي والامساك باوراق اللعبة الدولية وهزيمة المشروع الامريكي القائم على التحكم بمصير دول العالم وشعوبه دون منازع  .

اسئلة كثيرة تطرح مع اشتداد الاحداث الدموية في اوكرانيا ..هل هو الانتقام فقط  من موسكو ام انتهاج سياسة امريكية جديدة لتسخين الساحة الدولية حتى لو وصلت الى حد اعادة زمن الحرب الباردة ؟؟ وباعتبار ان اوكرانيا هامة للغاية بالنسبة لروسيا و ويسبب انتزعها من الحضن الروسي هلعا لدى الروس من تكرار اللعب في انحاء مختلفة من  فضائهم الاوراسي .. فهل هي خطة مبيتة يأملون من ورائها  اجبار موسكو على التراجع عن مواقفها وفتح بازار المساومات السياسية الدولية ومنها الشأن السوري نظرا لكونه الحدث الابرز في العالم منذ اكثر من ثلاث سنوات ؟؟

لكن الوقائع الماثلة تؤكد انه مثلما سقطت معظم اوراقهم ورهاناتهم في سورية ستسقط في اوكرانيا فزمن الانكفاء الامريكي قد بدأ ولن تنفع في اعادته حرائق الفتن والارهاب اومحاولات الانتقام من المواقف الايجابية والعادلة التي كانت ترتد على اصحابها دوما بمزيد من الهزائم والفشل ..

tu.saqr@gmail.com

البعث ميديا