حين خسرنا الوحدة ولم نكسب الديمقراطية

(1)
أريد أن أدخل إلى الموضوع من أبوابه الواسعة فأقول من دون أية مواربة: إننا خسرنا الوحدة ولم نكسب الديمقراطية.
كيف حدث ذلك؟
تعالوا نوقظ ذاكرتنا التاريخية لنستعيد وقائع لها من العمر الآن أكثر من خمسة عقود من الزمن.
تعالوا نتذكر جيداً كيف أن مناهضي قوميتنا العربية شهروا في وجه الوحدة سيفاً أطلقوا عليه اسم الديمقراطية.
وفي تلك الحقبة الحية من تاريخنا، فإن حركة القومية العربية، التي كانت آنذاك في ذروة شبابها، أفلحت في أن تكتسح من طريقها كل العقبات التي كان يمكن أن تحول دون قيام أول وحدة في التاريخ العربي الحديث.
ومن يتأمّل في تلك السنوات الحافلة بالانتصارات الكبرى، وبالهزائم الكبرى أيضاً، فإنه سرعان ما يقع على حقيقة ناصعة في وضوحها، هي أن خصوم الوحدة العربية عمدوا إلى أساليب في العمل السياسي جعلتهم قادرين في نهاية المطاف على العودة إلى الشارع السياسي من دون أن يلحق بهم ذلك الأذى الذي كان يمكن أن يلحق بهم فيما لو جاهروا بعدائهم للقومية العربية، وبخصومتهم للوحدة العربية.
ومع ذلك، فإن قلة قليلة من خصوم الوحدة العربية لم تتورّع عن المجاهرة بهذه الخصومة.
(2)
وفي مقابل شعار الوحدة العربية الذي ارتفع عالياً في تلك الحقبة من تاريخنا، جرى الترويج لشعار آخر كان يراد منه أن ينتهك حرمة الوحدة العربية، وأن يقلل من شأنها، وأن يصطنع في مقابلها شعارات سياسية زائفة.
وكان هناك من يحاول أن يقول: إن ذلك الكيان القومي الجديد الذي ارتفعت أعلامه خفّاقة بفعل إرادة جماهيرية حرة وطليقة، إنما قام على جثة اسمها الديمقراطية، والغريب في هذا الأمر هو أن أعدى أعداء الديمقراطية كانوا أوّل من شرع في البكاء والنواح على  الديمقراطية، بل إنهم مضوا إلى أبعد من ذلك عندما أشاعوا في حياتنا السياسية فكرة مفادها أن الوحدة مناهضة بطبيعتها للديمقراطية، وأنه لكي نبقى أحراراً فإنه يتوجب علينا الامتناع عن التفكير في أية وحدة من هذا القبيل.
صحيح أن التركيز كله كان موجّهاً ضد جمال عبد الناصر.
وصحيح أيضاً أن الحرب النفسية كانت تحاول أن تنال من موقع جمال عبد الناصر في عقول الناس وضمائرهم.
لكن الصحيح أيضاً هو أن جمال عبد الناصر لم يكن أكثر من هدف ظاهري، كان الهدف الحقيقي هو فكرة الوحدة العربية كما تجسّدت في عقول الناس وضمائرهم، وكان الهدف الحقيقي أيضاً هو حركة القومية العربية كما تجسّدت في ذلك الكيان الذي أطلقنا عليه اسم الجمهورية العربية المتحدة.
وكان الشعار المركزي لتلك الحرب النفسية التي شنّها خصوم الوحدة العربية ومناهضوها، هو شعار الديمقراطية.
وكان واضحاً أن هذا الشعار لا يعدو أن يكون من ذلك النوع من الشعارات التي يمكن أن يقال فيها إنها حق يراد به باطل.
وكان واضحاً  في الوقت نفسه أن شعار الديمقراطية لم يكن في حقيقة الأمر انتصاراً للديمقراطية، وإنما كان في الكلمة الأخيرة انتصاراً لكل ما من شأنه أن يمنع قيام الوحدة، أو استمرارها فيما لو قامت، أو امتدادها فيما لو استمرت.
(3)
ولكي لا أمضي في استطرادات عديدة، فإني سوف أعود من حيث بدأت فأقول مرة أخرى: إننا خسرنا الوحدة ولم نكسب الديمقراطية.
وليس يعنيني أن أمضي الآن إلى مناظرة فكرية حول ما إذا كان من الممكن لدولة الوحدة أن تغدو دولة ديمقراطية فنكسب بذلك الوحدة والديمقراطية في آن معاً.
وليس يعنيني أيضاً أن أمضي إلى نقاش مضى أوانه وزمانه حول ما إذا كان من الأفضل لقضيتنا القومية أن لا نشرع في إقامة هذا التعارض المصطنع والزائف بين الوحدة والديمقراطية، وأن نمضي بدلاً من ذلك إلى انتزاع مواقع جديدة لقضية الديمقراطية بعد أن انتزعنا مواقع مهمة لقضية الوحدة.
وليس يعنيني أخيراً أن أمضي إلى جدال لم تعُد تُرجى منه أية فائدة حول ما إذا كان من المستحسن أن لا نستسلم بسهولة لتلك الشعارات الزائفة التي جرى الترويج لها في تلك الحقبة الباهرة من تاريخنا، وهي الشعارات التي تقول: إن الوحدة ما كان لها أن تقوم إلا على جثة الديمقراطية.
كل ما يعنيني هو أن أختزل فكرتي في كلمات موجزة ولكنها معبّرة، هي أنه كثيراً ما تكون الديمقراطية من نوع الحق الذي يراد به باطل.
أليس صحيحاً أننا قبل أكثر من خمسة عقود من الزمن، خسرنا الوحدة ولم نكسب الديمقراطية؟
أليس كذلك؟.

 

صفوان قدسي

247

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *