هل ستحجم مصر عن التورط في الفخ اليمني

يتخذ غزو اليمن أحد أشد المخاطر التي تدلف إليها المنطقة العربية بعد المؤامرة الدولية على سورية قبل أكثر من 4 سنوات وتحولها إلى حرب دولية إرهابية عليها، ومن ثم امتدادها في سنتها ألـ 4 إلى العراق،وتشكيل التحالف الدولي بزعامة واشنطن بذريعة مقاتلة الإرهاب المتطرف، فيما الحقيقة أنها محاولة عبثية لعودة الاستعماريْن القديم والجديد الى المنطقة .

يضم التحالف العسكري (العربي) العشْري الجديد بقيادة الرياض، دول الخليج الـ 6 (مع أنباء تتحدث عن رفض عًمان التورط في هذا الحلف) زائد السودان والأردن والمغرب (ويقال الباكستان) ومصر (التي يشك بمشاركتها فعلياً في التحالف) بحكم أوضاعها الداخلية المعقدة، حيث الإرهاب الإخوني يضرب في غير جانب، والتحولات الإخونية في الجارة الجنوبية؛ السودان، قد يجعل من حدودها الطويلة معها، مصدراً إضافياً للإرهاب، وقد يصبح إعادة فتح ملف حلايب (المتنازع عليه بين البلدين) وسيلة لكلا البلدين لإشغال شارعيهما عن همومهما المعيشية والوطنية، ما يضاعف من أزمتهما.

ويأتي إنشغال مصر (غير المؤكد) في التحالف الرجعي العربي،مغايراً (أوهكذا يفترض ) لطموح قيادتها الصاعدة في نسج علاقات طيبة مع روسيا ومع حاجتها للإقتراب من الخط القومي العربي ومحور المقاومة المستهدف من الإرهاب، والذي يشكل حرباً حقيقية عليه، وليس تحالف أمريكا المخادع، الذي يقدم للإرهاب كل عناصر الدعم والقوة على اختلاف موضوعاتها.

وعليه فإن إنحياز مصر للتحالف العشْري بقيادة السعودية،هو انحياز ضد مصالحها في محاربة الإرهاب وضد التنسيق مع من يحاربونه، وهو إنشغال عن عملية البناء الداخلية كـ (قناة السويس الجديدة) وانشغال أيضا عن مجابهة المخاطر الداخلية، وقد يغري هذا أطرافاً داخلية وخارجية في ظل هذا الانشغال لتوجيه ضربات قاصمة،من جهات محسوبة على هذا التحالف ، وقد تجدها أثيوبيا فرصة للاستقواء على حقوق مصر المائية.

وقد تستشعر قوى قومية وناصرية ويسارية ووطنية مخاطر التورط هذا، فتثور، فإما أن تسقط النظام الجديد، و(هي القوى التي صوتت للتغيير ودعمت في أغلبها الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي) وإما أن تدخل مصر في حالة فوضى، على خلفيات متباينة حد التناقض، فتكون فرصة لولوج مصر في حالة أشبه بما يحدث في ليبيا (بدلاً من اسعامها في إستقرار الأوضاع فيها) أوإدخال مصر في حالة أسوا كما الصومال، وهو هدف أمريكي أوروبي غربي صهيوني رجعي عربي، حيث يسؤوها استعادة مصر لدورها، التاريخي، كما كان عليه الحال في عهد عبد الناصر أو محمد علي باشا (قبل أن تتحالف الدول الأوروبية الاستعمارية ضده وتسقط مشروعه).

إن مصلحة مصر الاستراتيجية تتركز في تكريس البناء الداخلي، وبناء أقوى الصلات والتنسيق مع الدول التي تقاتل الإرهاب في سورية والعراق وليبيا واليمن، وليس التحالف مع دول تدعم الإرهاب وتزعم انها تحاربه، وإنما التحالف مع دول تقدم دعما نزيها لمحور المقاومة كـ روسيا والصين وإيران وكوريا الديمقراطية وفنزويلا وكوبا ودول البريكس وبعض دول أمريكا الجنوبية المتحررة من الهيمنة الأمريكية،على اختلاف إمكاناتها في الدعم والمساندة .

ولا بد أن تشكيل التحالف الرجعي العربي يعكس وضعه المأزوم ، جراء الهزائم التي تُمنى بها العصابات الإرهابية غالباً في سورية والعراق وليبيا واليمن، وهزيمة هذا التحالف مرجحة، لإفتقاره للبيئات الحاضنة التي ضللت في بدايات ما يسمى الربيع العربي،ثم اختلف الحال مع تكشف حقائق (الثورات الملونة المخترقة حتى الأعماق من قبل اعداء الأمة ورجعييها ).

إن الحالة اليمنية ليست كما يصورها الإعلام المعادي للأمة من أن الحوثيين هم رأس حربة إيران في اليمن، فـ(الحوثيون ) يشكلون نحو 32% من الشعب اليمني،وهم على تحالف مع معظم تشكيلات الجيش الوطني اليمني ومع أنصار علي عبد الله صالح، ومع قوى واحزاب يمنية أخرى من بينها حزب البعث العربي الإشتراكي ( في اليمن ) وهذه القوى مجتمعة تشكل أغلبية الشعب اليمني من اهل السنة وغيرهم ، ويعني التقدم السريع لهذا التحالف، فيما يعنيه تمتعه ببيئة شعبية حاضنة كبيرة، كما أن التحالف اليمني الوطني العريض، يوضح زيف الادعاءات التي تحاول إضفاء صفة مذهبية جزئية ضيقة عليه .

لكن الصحيح أن اليمن الذي بات خارج إطار التبعية للمعسكر الغربي أو يكاد، يوشك التحلل من كونه الحديقة الخلفية للسعودية، بالتزامن مع هزائم الإرهاب في غير دولة عربية، فبات يقض مضجع البعض، وعليه كان لا بد من إقامة هذا التحالف الرجعي العربي لإعادة اليمن إلى حظيرة التخلف والتبعية للخليج والغرب، واستخدم المال لتطويع وضم دول خارج الخليج هي في حاجة للمال.

وقد يكون من المفيد لمصر وغيرها، كـ الأردن، ملاحظة النصح الذي تقدمت به سلطنة عُمان لحكام السعودية بالتوقف (وكذلك بعض أمراء السعودية) معتبرة (أي عمان ) انها أستدرجت إلى فخ أمريكي، وأضيف كما ( أستدرج العراق إلى فخ الكويت) من قبل أمريكا، ومن ثمة استخدمت واشنطن هذا الفخ ضد العراق على مدى 12 سنة، وجهت خلالها إليه أكثر من ضربة عسكرية رغم إنسحابه السريع، وفرضت على العراق منطقتيْ حظر جوي، ومنعته من تصدير نفطه، ثم استغلت هذا النفط أبشع استغلال بتخفيض سعر برميل النفط إلى 5 دولارات، واتبعت ذلك كله باحتلاله وتدمير بناه التحتية وجيشه وسرقة تراثه وآثاره، وزرع العداوات المذهبية والإثنية بين مكوناته.

بكلمات، أخال مصر أكبر من أن تُستدرج أو تتورط أو أن تقاد من جهات دون مكانتها التاريخية ودورها وعظمة شعبها وإمكانتها، التي إن استخدمت جيداً، وتوقف الفساد الموروث عن عهود السادات ومبارك والعيّاط، لن تكون في حاجة لمساعدات خارجية وستتحرر من هيمنة مؤسسات رأس المال العالمية ووصفاها التدميرية، التي لم تقدم لأي بلد غير الخراب الاقتصادي وبالتالي افتقادها لإستقلالية القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي .

يا مصر شدي الحيل، وما زال الأمل كبيراً بان يعطي الرئيس العربي المصري عبد الفتاح السيسي، أكثر وأفضل وان يكون أشد حنكة وأبعد نظراً وحيطة ( وأخاله قادراً ) فضلا عن ضرورة اعتماده على شعبه المصري العظيم، لا على التابعين للغرب، الذين سيجعلون منه في أحسن الحالات تابعاً لتابعي الغرب، ولن يحمونه من شعبه إن ثار، وما زالت فرصة المراجعة ممكنة ومتاحة، وقتها سيُسجِّل السيسي صفحة ناصعة مع القادة العظام على صعيد مصر والمنطقة وإفريقيا والعالم الإسلامي والعالم.

 

محمد شريف الجيوسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *