الـبـعــث.. وتحديـاتـه

ليست التحديات التي تواجه حزب البعث العربي الاشتراكي اليوم تنظيمية ولا داخلية بالدرجة الأولى، وهي تحديات مشتركة لكل الأحزاب والتيارات الوطنية والعروبية والتقدمية على الساحة العربية، بل في المنطقة والعالم، إذ تحتل التحديات الخارجية الجوّالة والعابرة في عصر ما بعد الحداثة هذه الدرجة، بسبب دخول الامبريالية والرجعية العربية مرحلة الوحشيّة.
وهنا يترتّب، بالضرورة، على هذه الأحزاب والتيارات، في مرحلة التوحّش هذه، بناء تحالفات وخطط جديدة على نحو ما شهدناه في منتصف القرن الماضي أيام حركة التحرر الوطني والاستقلال العربية، والصعود المدوّي لليسار في المنطقة والعالم، مضافاً إلى ذلك ما أفرزته من مستجدات وحشيّة التحالف الصهيو-أطلسي الرجعي العربي، ولاسيما الإتجار بالإسلام السياسي، وتزوير وتجيير الإسلام التاريخي المحمدي البريء من وحوش العصر.
لاشك في أن بناء التحالفات والخطط الجديدة هذه غائب اليوم، بل منذ مطلع الألفية الثالثة، إذ إن هذه الأحزاب والتيارات تعيش مرحلة نكوص، لكنها مرحلة كمون أيضاً وفق منطق المادية التاريخية والديالكتيكية، حيث من الواضح أن هذه المرحلة لن تدوم طويلاً، فهناك مؤشرات واقعية، وحقيقية، عديدة وواعدة بهزيمة التكفير والإرهاب والرجعية، وحواملها وأهدافها، فقد لحق جرّاءها شعوب المنطقة ودولها، ومؤسساتها الوطنية، وفكرها ومصيرها من أذية وخراب ما لا شبيه له في التاريخ، ولم يكن البعث ولا بقية الأحزاب والتيارات الوطنية والعروبية والتقدمية بمنأى عن هذه الأذية.
فما هي هذه التحديات؟:
< لعلّ استهداف العروبة يأتي في طليعتها، مقترناً باستهداف الدولة الوطنية، استهدافاً ليس سياسياً وفكرياً كما كان معهوداً سابقاً، بل بشكل عدوان عسكري سافر ركّز على الدول الداعمة تقليدياً وتاريخياً للعمل العربي المشترك، فبدأ بالجزائر ثم انتقل إلى العراق فالسودان ثم ليبيا وسورية ومصر واليمن..، وكانت بمنأى عنه دول الخليج والأردن  والمغرب “مجلس التعاون الخليجي الجديد الذي رفضت موريتانيا عرضه”.
< ضعف القدرة على تجديد الدور والحضور الجماهيري والمجتمعي مقابل تفشي التشكيلات العديدة المتشظيّة عن الأصولية التكفيرية الجهادية الإسلامية التي راحت تتمدّد وتتنظّم وتنتشر في المنطقة والعالم، وتجتذب إليها الأجيال الصاعدة والمتخطّية للحدود الوطنية، بانفعال وقوة تدميرية آثارها التخريبية شاهدة وواضحة ومؤلمة.
<  طفو تنظيمات الإسلام السياسي الرجعي العربي المتصهين وتصاعد حضورها في السياسة، والإعلام، والتربية، والثقافة، ونفوذ مرجعيات التيار الأصولي، وإحيائها بشكل لا يمكن نكران فاعليته التدميرية في “ربيع الخراب”، مقابل تضاؤل قدرة “البعث” القومي على التنسيق مع القوى الحية في المجتمعات والدول الشقيقة والصديقة، هذه القدرة التي يثير ادخارها اليوم التساؤل، فإلى متى؟.
< تمدّد المشروعات المضادة بشكل تحالفات متوازية: الليبرالية الغربية مع الرجعية العربية، مع الامبريالية المتوحّشة، مع الأصولية الجهادية، مع الصهيونية، ما أثّر على طاقة الكسب الجماهيري والمجتمعي التقليدية، التي شكّلت في الماضي سدّاً منيعاً مقاوماً لتلك المشروعات المضادة، ما أدى إلى خسارة جماهيرية ومجتمعية وتنظيمية وفكرية أيضاً للبعث والقوى الحليفة له.
< بروز انزياح وانحراف في التناقض الأساسي، وفي القضية المركزية، إذ غاب المشروع الصهيوني كعدو رئيسي، وكذلك مركزيّة القضية الفلسطينية، فكان الحديث عن العدو الصهيوني المشترك مجرد “قضية كلامية” أحرج بها المدّ الجماهيري الأنظمة. وتقدّمت المشكلة المفتعلة مع إيران كقوة داعمة ومقاومة لهذا الانحراف الذي كان مستساغاً أيام الشاه، مع الطرح المخاتل للنظام السعودي عن “الأمن القومي العربي” والمترافق مع الوقف الاضطراري للعدوان الوحشي على اليمن بما يشكّل بداية متسلسلة لإخفاق كبير متعدّد الاتجاهات.
هل البعث قادر اليوم على مجابهة هذه التحديات؟
لا شك في أنه قادر، بل يمضي في طريق النجاح والانتصار، مع الاعتراف بدفع ضريبة باهظة الثمن معمّدة بالدم، لا يمكن بعدها أبداً أن يخرج بدون نتائج إيجابية، فقد أتاح صمود الشعب السوري وجيشه العقائدي فرصة كبرى لهزيمة المشروع الإرهابي التكفيري الرجعي الذي لا يهدّد سورية أو البعث، أو المقاومة فحسب.
واليوم نشهد يقظة عروبية جديدة تتشكّل في رحم الواقع  في أغلب الأقطار العربية، تمثّل تحوّلاً جديداً فاعلاً إيجابياً في العراق وفلسطين واليمن وتونس… ومصر التي عكست افتتاحية صحيفة الأهرام فيها يوم عيد جلاء المستعمر عن سورية بعنوان “لمصر لا لسورية” فهماً “استراتيجياً جديداً لأهمية سورية شعباً وقيادة للأمن القومي المصري والعربي”.
كما أن العمل الحزبي “البعثي” اليوم يتجه تنظيماً وفكراً في مسارات جديدة واعدة من خلال جولات ميدانية شاملة فاعلة غير معهودة سابقاً تمثّل حراكاً جديداً تصدر فيه قيادة الحزب عن التصاق وثيق وصادق بآمال الناس وآلامهم، والعمل مباشرة على معالجتها رغم الظروف الصعبة.
يضاف إلى هذا ما خسرته الرجعية العربية وحلفاؤها في كمّية العنف غير المعهودة التي أثّرت على صورتها، فكشفتها وعرّتها أمام الشعب العربي.
إنها تحديات حقيقية متجدّدة، ومقدور عليها لا شك، وفي القريب العاجل، لكن برؤى جديدة ومغايرة.
د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *