في التفاهمات الدولية الواعدة

صار واضحاً قلق المجتمع الدولي وشعوب الأرض من مخاطر سياسات التفرّد والهيمنة، فالسياق التاريخي والمعاصر لنضال الشعوب في سبيل مصالحها وحقوقها وتطلعاتها يفضي إلى مناهضة القطبية الأحادية.. هذا النضال يعبّر عن توق البشرية إلى التعاون والتكامل الإقليمي والدولي، لاسيما بعد الأزمات التي تهدّد الأمن والاستقرار كالأزمات التي ترزح تحت وطأتها منطقتنا اليوم.

لذلك بدأت الدول الكبرى بما تمتلكه من حيوية وديناميكية وقدرة على الرؤية المستقبليّة لتحقيق مصالحها حكومات وشعوباً، تنتهج سياسات طارئة تدخل جرّاءها في منعطفات جديدة، سياسات لا تستطيع الدول الصغرى تجاهلها والقفز فوق محدداتها. وخير مثال ما نجده في مفاوضات إيران مع الدول 5+1 التي أفضت إلى إمكانية دخول إيران في نادي الكبار.

بالمقابل نجد دولاً “صغرى” يصعب عليها إدراك ذلك بسبب ضعف القدرة على الاندماج في المسار الطبيعي للتحولات، ففي ظل التفاهمات الدولية الجارية لمعالجة عدد من الأزمات الدولية والإقليمية تظهر خيبة بعض الحكّام الذين يستمرون في تبنّي سياسات تصدر عن تشنج إقليمي وتعنت ورعونة على نحو ما نجده عند ابن سعود وأردوغان بعثمانيته الجديدة البائسة، حيث الرغبة الطائشة في السباحة عكس التيار، والعناد إلى حد قصور الرؤية والتمسك بأفكار وسياسات خارجة عن منطق العقل، والتاريخ، والمصالح المشتركة.

هؤلاء لا يقرؤون جيداً متغيرات الواقع، ولا يعرفون القيمة التاريخية والمعاصرة لرفرفة العلم الكوبي في سماء واشنطن، ولا يعود السبب هنا فقط إلى انشغالهم بصدمة الاتفاق النووي، بل إلى قصور حقيقي متعدد الاتجاهات لن تكون نتائجه إلّا مُحبطة لآمالهم.

إن صمود الشعبين والحكومتين في إيران وكوبا، وتمسكهما بالمبادىء والمصالح والثوابت  لم يَحلْ دون تفاهمات لاشك واعدة، وفي الوقت نفسه لم يغب الحذر والتحفظات والإجراءات الاحتياطية وسياسة البدائل عن هذه التفاهمات، كما أن العلاقات والسياسات التقليدية عند الطرفين لم ولن تذهب أدراج الرياح.

ومن المنظار نفسه يمكن أن تكون هناك رؤية جديدة لمعالجة الأزمة في منطقتنا وفي بلادنا تحديداً، فصمود الدولة الوطنية العربية السورية بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية والسياسية وخاصة العسكرية سيخلق واقعاً جديداً ومنعطفاً واعداً يفرض تفاهمات لابد منها بعد أن ثبت استحالة تقويض هذا الصمود واستحالة مصادرة نتائجه التي ستكون بالضرورة إيجابية على الشعب وعلى مؤسسات الدولة الوطنية بقيادتها السياسية الحكيمة والشجاعة لاشك وبواقعية وموضوعية.

فأغلب التحليلات المتزنة، وكذلك المعطيات، تشير إلى ازدياد القناعات العامة والخاصة في العالم بأن الجمهورية العربية السورية شعباً وحكومة وأحزاباً وطنية بقيادة الرئيس الأسد هي الركيزة الأساسية للتصدي لمخاطر الإرهاب والتطرف والتكفير، وهي التي تمتلك أكثر من غيرها التصميم والقدرة على تسديد أوجع الضربات وأدقها إلى هذه المخاطر، وبالتالي غير مجدٍ أمام الدول الكبرى أو الصغرى تجاهل هذه الحقيقة بعدما جرّها هذا التجاهل إلى ما لا يُحمد عقباه، وهذا ماسيفرض أن تكون القيادة السورية حجر الزاوية في هذه التفاهمات.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإدارة الأمريكية بهروبها المعهود نحو استراتيجية سياسة الاحتواء لم تعد ترى اليوم في «محور الشر» ماكانت تراه سابقاً. هذا التحوّل الذي بدأ مع خطاب أوباما في جامعة القاهرة عام 2009 لم يأتِ طواعية ولاسيما أنه شهد نكوصاً وارتداداً مدة سنوات سبع عجاف. إنه يأتي اليوم من الإدارات التي تمتلك الحيوية، وتؤمن بأن السياسة فوق الأحقاد. وهذا مايصعب على ابن سعود وأردوغان إدراكه، وهنا مقتلهما الوشيك.

فهناك الآن تفاهمات دولية تصدر عن أجواء عامة تفاؤلية واضحة، يقابلها تشنج إقليمي خائف قلق مثاله رعونة السياسة السعودية وقصورها التي ستعود على حلفائها وعملائها من دعاة ورعاة الإرهاب والتطرف والتكفير بهزيمة قريبة.

ويبقى رهان سورية على صمود شعبها وأصالته، ومنعة دولتها الوطنية أكبر من رهانها على التفاهمات الواعدة، فالصراع لمّا ينتهِ.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *