القضية الفلسطينية .. إلى أين تتجه؟

هل تعيش القضية الفلسطينية الآن مرحلة مفترقات طرق، تدخل بنتيجتها مرحلة موات جديدة أو إنقسام مكرسة باحتضانات إقليمية ودولية (مواتية) من وجهة نظر أعداء القضية.

أم أن القضية الفلسطينية مقبلة على مرحلة تصويب للمسار يحظى بشبه إجماع فلسطيني وإقليمي ودولي، مستفيدة من إنتكاسات مشاريع الفوضى (الخلاّقة) والشرق الأوسط الإستعماري وتخلي الحاضنات الشعبية عن مشاريع (الربيع) العربي الزائفة ومآلاتها الإرهابية التدميرية التكفيرية الوهابية والإخونية الجهالية، ومستفيدة من فشل حصارات إيران حد إضطرار الغرب توقيع إتفاق معها رسمته معادلة الفشل الغربي.

وهل يمكن للقضية الفلسطينية الإستفادة من صمود سورية 54 شهراً عصيباً، بدا الغرب الأمريكي والأوروبي والصهيوني وأذياله الإقليمية معنية إلى حد كبير بالبحث عن ضوء في نهاية نفق أرادوه لسورية فإذا بهم يجدون أنفسهم داخله.

القضية الفلسطينية تعيش مرحلة (إشتباك) ما بين معادلتين،أولهما إصرار المعسكر الغربي الأمريكي الأوروبي الصهيوني وأذيالهم على إدخال القضية مرحلة سبات أبدي أو لفترة مديدة على أقل تقدير،وبين مستجدات معادلة جديدة تتقدم بصمود وثباب رغم كل الويلات والتضحيات والحصارات يقودها محور المقاومة وتسانده إلى حد روسيا والصين وفنزويلا وغيرها ، فيما يعيش الغرب الإستعماري مرحلة تكوص وأزمات وتراجع متلاحق على غير صعيد .

وليس واضحاً في ظل الإنقسام الفلسطيني، وعدم انحياز معظم الأطراف الفلسطينية الرئيسة لمحور المقاومة، واستشراس المعسكر المعادي للقضية والأمة، جراء ما يحصده من فشل في المنطقة، أن القضية مقبلة على تحولات عميقة قادرة على الإستفادة من المستجدات الإيجابية لدى محور المقاومة وأصدقائها.

لقد اضطر التعنت الصهيوني المدعوم أمريكيا حتى تجاه تسوية ناقصة منقوصة ؛ السلطة الفلسطينية التي كانت تراهن على دويلة فلسطينية، للإبتعاد عن مفاوضات عبثية استمرت نحو عقدي زمن دون نتائج إيجابية ، بل نقيض ذلك أقيمت مئات المستعمرات الصهيونية وبني جدار الفصل العنصري وطوقت مدينة القدس بالمستعمرات وسحب حق المواطنة من فلسطينيين في القدس وهدمت بيوت وشرد المزيد من الفلسطينيين واعتدي مئات المرات على حرمة الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية وبخاصة المسجد الأقصى المبارك.

والغريب أن الصلف الصهيوني الغربي لم يكرس اللحمة الفلسطينية الفلسطينية، بل حدث انقسام فلسطيني عميق، ولم تطبق الاتفاقيات التي وقعتها القوى الفلسطينية بما فيها طرفي الخلاف الرئيسيين، وجلس طرف الخلاف الذي أعتبر جزءاً من محور المقاومة بعض وقت، في حضن قطر وإلى حدٍ في أحضان الرياض رغم اعتبارها الإخوان حركة محظورةّ، ولم تقترب السلطة من محور المقاومة بقدر ابتعاد ذاك الفصيل عنها،ما خلق هوة ليست في صالح القضية ولا محور المقاومة، رغم أن بعض الأطراف الفلسطينية ما زالت تعتبر جزءاً من هذا المحور.

وربما كان قرار رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون بتأجيل احتماع دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي كانت مقررة أواسط أيلول 2015،وقراره بإجراء مشاورات لعقد اللجنة التحضيرية الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، ودعوته لجنة الدستور لصياغة قانون جديد للسلطة وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، قرارا حكيماً،باعتبار أن المنظمة هي المرجعية الأشمل تمثيلاً للشعب العربي الفلسطيني وقواه، في الوطن ودول الجوار والشتات والمعترف بها دولياً، وباعتبار أن إمكانية الكيان الصهيوني في (القبض) عليها غير ممكن موضوعياً على خلاف السلطة ( الوطنية المستقلة).

ورغم أن القضية الفلسطينية تعيش الآن حالة صعبة موضوعياً (بحكم أوضاع المنطقة المنشغلة بجراحاتها وانقساماتها وتكالب الأعداء عليها وتفريط أطراف رجعية) وحالة ذاتية من إنحياز أطراف فيها للمحور المضاد المقاومة.. إلا أن إمكانية تغيير المسار نحو استعادة زمام المبادرة واردة بقوة، يفرضه التعنت الصهيوني المجرب والممارسات الإرهابية المجربة أيضاً؛ اللذان يخدمان اتجاهاً واحداً اتفقاً أو اختلفا في الظاهر، وهو العداء للأمة واستهدافها حضارة وواقعا ومستقبلاً ..

ومن مؤشرات إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية لأزمتها الموضوعية والذاتية، توصل السلطة الفلسطينية في هيئاتها القيادية إلى ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الكيان الصهيوني ووقف التنسيق الأمني والتوجه بسرعة أكبر للدخول في المنظمات الدولية، ومقاضاة (إسرائيل) لدى محكمة الجزاء الدولية، وإلى الخلاص من دمامل أمريكية طالما تعلقت بالسلطة وشكلت عناصر معيقة داخلها (..)  .

ومن العناصر الإيجابية  تحول المنظمة جزئيا نحو تطوير علاقاتها مع سورية، وافتضاح طرف كان يستغل ثقة الدولة السورية به لصالح إخونيي سورية.

ومن العناصر الإيجابية للقضية فشل المشاريع الأمريكية في المنطقة التي كانت بصدد نقل السلطة في عدد من الأقطار العربية إلى جماعات إخونية وسلفية تكفيرية تنتقل بالصراع من مناهض للكيان الصهيوني إلى صراعات أهلية وإقليمية ومذهبية تكفيرية وطائفية وإثنية وتاريخية.

لكن هذا الفشل الذي تجلى أولاً على الأرض السورية، ما زال يعيش حالة من الارتدادات ومحاولات استرداد زمام المبادرة ولو سياسياً وكسب ما لم يحققوه على الأرض عسكرياً، ما يستوجب انتهاز القيادة الفلسطينية زمام المبادرة في أخذ مكانها الطبيعي داخل محور المقاومة وليس بجانبه.

ليس لدى السلطة الفلسطينية بعد عقدين ونيف من المفاوضات العبثية ما تخسره بإنضوائها في محور المقاومة، فالراعي الأمريكي شكل دور (المحلل) والمطوّع للفلسطيننين لصالح (إسرائيل) ولم تأخذه (رحمة) بهم، فيما رضح لـ (إيران) القوية.

بالتأكيد لا يمتلك الفلسطينيون عناصر القوة التي تمتلكها إيران أو سورية، ولكن يمكن أن تكون مقاومتهم كالمقاومة اللبنانية التي امتلكت عناصر قوة أضعافاً مضاعفة بانضوائها في محور المقاومة، بل أصبحت رأس حربته، كما يمكن أن تصمد كـ غزة (التي هي الجزء الأضعف في القضية الفلسطينية) رغم أن أطرافاً في غزة اختارت أن تصبح خارج معادلة المقاومة فجلست في حضن قطر، لكن محور المقاومة لا يتخل عمن يصبح موضوعياً بمواجهة عدوانات الكيان الصهيوني وإن لم يشأ ذلك.

ليس أمام أصحاب القرار الفلسطيني إلا أن يحزموا امرهم، ويتخذوا ربما القرار الأصعب في ظاهره، بالعودة إلى محور المقاومة والانخراط فيه بقوة، بعد 25 سنة من الضياع في أنفاق المفاوضات العبثية مع عدو لا عهد له ولا ذمة.

وإذا كانت المراهنة على المفاوضات فرضتها ظروف دولية وإقليمية مطلع تسعينات الألفية الثانية، فإن تلك الظروف أضحت الآن في تلاش ملحوظ، ما يستوجب إعادة النظر وبقوة في تلك المبررات التي أمست أكثر من واهية والعودة للأصول المفترضة التي على أساسها أقيمت منظمة التحرير الفلسطينية وتبعتها الثورة والمقاومة بأشكالها كافة ومجتمعة.

محمد شريف الجيوسي – إعلامي أردني

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *