أنا وقلبي في دمشق

ما من مرة ذهبت إلى الطبيب في دمشق إلا وأحسست أن قلبي يعاتبني ويقول لي: ماذا صنعتِ بي؟ وحقاً ماذا صنعت به؟ وماذا صنع الزمن بي؟…

نحن لا نختار لحظة ميلادنا، ولا لحظة أشواقنا وحبنا، ولا لحظة شقائنا وهمومنا، ولا لحظة سقوط الألم على أجسامنا، ولا لحظة وداعنا الأخير للحياة، فالإنسان ابن زمانه ومكانه، وقد عشت حياتي في نسيم الحياة عندما تختفي الأشياء الخشنة والقبيحة وعشت في رياحها العاتية، وفي زوابعها القاسية….

وكنت دائماً أتوكأ على قلبي وأستند إليه، وألمس به كل شيء وكل كائن وكل صوت وكل شكل وكل لون وكل حلم ولم تعلمني الحياة أن أنسى قلبي أو أمنحه إجازة طويلة من الانفصال.

كم ألف مرة جعلت قلبي يرثى لتعاسة الإنسان، ويخفق منفعلاً لقسوة الزمن.

وكم ألف مرة هزني جمال الطبيعة والجمال الإنساني… وجعلا قلبي يرفرف كعصافير الربيع….؟

وكم ألف مرة اضطرب هذا القلب وهو يواسيني، ويحمل شجوني وهواجسي وأحلامي؟

وكم من ملايين المرات طافت الدماء المتدفقة منه في جسمي وحملت إليه آثار كل هذه الانفعالات… وكل هذا القلق والملل… وذات يوم ذهبت إلى طبيب فَحَصَ جسمي في دمشق، يميناً وشمالاً ووقوفاً واسترخاء، وقال لي:

ليس في جسمك مرض معين… وإنما أنت تعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم….؟

لا بأس عليك…. سنضع ضغط دمك تحت السيطرة!

وأضاف، وكأنه يتكلم إلى إنسان يسكن في المريخ…

إن أحسن طريق للقضاء على ارتفاع ضغط الدم هي أن تقيّد عملك وأسلوب حياتك، وخذ الحياة ببساطة شديدة، ودع نفسك للمرح كلما استطعت.

كانت كلماته غريبة على أذني، فالكتابة قدري وحبّي، والفتور غريمي وعدوّي، وهل يستطيع الإنسان أن يهرب من دمه أو يهجر حبّه الحقيقي؟…

ليتني لم أحبَّ الكتابة، وليتني كنت فلاحاً أمياً وعندها كنت أستطيع أن أغيَّر أسلوب حياتي وشجوني….

وهنا أعجبني بعض كبار الأطباء في دمشق، أنهم يعيشون(أساتذة) أمام مرضاهم، وتلاميذ أمام نتائج البحوث الطبية الجديدة التي تتدفق من مراكز البحث في العالم بلا توقف وبلا نهاية.

ومن أهم الموضوعات التي تشغل فريقاً كبيراً من الباحثين الآن مشكلة(التوتر والاسترخاء والعلاج الطبيعي)، فالجسم مليء بالأسرار التي لم يتم اكتشافها كلّها… أو معرفة أسرار(العقل) والقلب والعضلات… وأعضاء الجسم.

وآه للإنسان، من المكانة التي يشغلها في هذا الكون، إنه أمير المخلوقات وسيدها وأن طموحه الدائم أن يبسط نفوذه على الأرض والفضاء والكواكب ويسخرّها لأغراضه .

في زمن القلق يرتفع صوت العلماء ويضيع صوت الشاعر، إنه الزمن الذي ارتفع فيه صوت العلماء بالخير كثيراً، وبالشر كثيراً، وضاع فيه صوت الشعراء دائماً.

إنه زمن القلق والتوتر وتجارب العلماء والأطباء للوقوف في وجه هذا التيار، والمكتوب على جبين الأديب أن ينفعل من أعماقه، حتى لا يقتل الفتور كلماته، وقد قال لي الطبيب المعالج:

حقاً كل من يبدع شيئاً جديداً يكون في حاجة إلى أن ينفعل، ولكن المطلوب هو أن يتحكّم الكاتب في درجة انفعاله؟

وهاأنذا تلميذ في المرحلة الأولى من العلاج.

يقول لي عقلي: طبّق كلام الطبيب، فهو أستاذك…؟

 

د. رحيم هادي الشمخي

أكاديمي وكاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *