حزب البعث في عيده التاسع والستين ينتصر للعروبة

بعد مواجهة حرب إلغاء لم يشهد لها تاريخ البشرية مثيل، يطوي حزب البعث خمس سنوات عجاف وهو يقف صلباً، ويُصيغ أنشودة النصر على حربٍ عالمية قذرة، قادتها الولايات المتحدة وعملاؤها في المنطقة للقضاء على أخر معاقل الفكر القومي العربي، وكانت خطورتها تكمن في طبيعة تلك الحرب وايديولوجيتها التي اعتمدت الدين الإسلامي غطاءً كاذباً لها والإسلام منها براء، وعهدت تنفيذها إلى عصابات إرهابية مجمعة من أكثر من ثمانين دولة عربية وأجنبية تم وتدريبهم على أيدي الاستخبارات الغربية والأمريكية وشحنهم بطريقة تسمح لهم باستخدام أبشع أساليب الإجرام بهدف القضاء على الدولة السورية وإقصاء البعث عن الساحة العربية بشكل نهائي كحامل شرس ومقاوم عن الفكر العروبي العلماني بعد أن سبق وتم تدمير العراق الذي كان يحكمه نفس الحزب بغض النظر عن الواقع  المتباين الذي كان يفرضه النظام العراقي آنذاك، لتأتي تلك الحرب القذرة على سورية وشعبها وقيادتها البعثية في سياق محاولة يائسة لتعميم الحروب الطائفية والإثنية وإغراق المنطقة في دوامة العنف الأبدي خدمة للمشروع الصهيو – أمريكي الجديد المعد للسيطرة على المنطقة بكاملها وفق أجندة محددة، لكن دمشق التي كانت ولم تزل وستبقى قلعة العرب الصامدة وقلب العروبة النابض وقائدة مشروع الممانعة والمقاومة في وجه كافة المشاريع الاستعمارية التي تستهدف المنطقة العربية  تُثبت اليوم في العيد التاسع والستين للبعث انتصارها للعروبة والمشروع القومي من أجل حماية الجسد الوطني وتفاعله الايجابي مع محيطه القومي خدمةً لمستقبل أجيال الأمة العربية والعالم.

كانت ولادة حزب البعث من رحم معاناة وآلام الشعوب العربية بُعيد الاستقلال والتحرر من الانتداب الغربي (الفرنسي في سورية)، وجاءت أهدافه ومبادئه ملبية لتطلعات الشعوب العربية الواسعة ومنسجمة مع أمنياتها المستقبلية في دولة موحدة وقوية قادرة على حماية استقلالها، وقادرة على بناء حضارتها العربية المبنية على أساس الشخصية العربية الخاصة وفق منهاج يضمن الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص بين أفرادها، كما أن أدبيات البعث التي تراكمت خلال تاريخه النضالي وخاصة خطب وكلمات القائد الخالد حافظ الأسد ومن بعده ما قدمه من إضافات فكرية السيد الرئيس بشار الأسد هي غنية وثرة بما يُلامس أحلام وطموحات الغالبية  من أبناء الجماهير العربية، وهذا ما أعطى للحزب حضوراً مميزاً على الساحة المحلية والعربية، ومنحه شعبية واسعة عجزت الأحزاب الأخرى  المنافسه له عن أخذ مكانه ودوره في السلطة داخل سورية حتى بعد تغيير الدستور ومساواته مع بقية الأحزاب الوطنية في الميزات والواجبات وفق قانون الأحزاب الجديد الساري، وهذا ما أزعج أعداءه الحقيقيين في الخارج الذين حاولوا إقصاءه وتبديله بتيارات سياسية دينية تكفيرية متطرفة موالية لهم وجاهزة لأن تخدم مشاريعهم الاستعمارية التقسيمية.

لا نُخف ان مرحلة نشوء البعث وفترة وصوله إلى السلطة كانتا مواتيين لتحقيق القسم الأكبر من الأهداف خلال العقود الأولى من عمر الثورة (على الأقل في القضايا الداخلية)، لكن عدم وضوح الرؤية لدى قياداته وانشغال بعضها بالسلطة وبهرجتها والجري خلف المكاسب الضيقة وما حملته من تداخل في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أفقدت التنظيم بعضاً من تماسكه وجوهره وأخرته في تنفيذ خططه الإستراتيجية الكبرى لصالح حركة العمل اليومية  لقيادة مؤسسات الدولة، وترافق ذلك مع إهمال غير متعمد للجانب الاجتماعي والتثقيفي أعطى انطباعات مغايرة للمنهج الأساسي للبعث ودوره في الحياة الوطنية والقومية مما خلق فرصة مواتية لبعض التيارات الوطنية والحزبية لطرح نفسها كبديل وطني أكثر آماناً لجماهير الشعب التي بدأت ترى ان المسافات التي تفصل بينها وبين قيادات البعث الوسطى والعليا في الشارع تتسع باستمرار حتى في ظل الحرب الدائرة؟

من المؤكد بأن الأزمة التي يواجهها حزب البعث في سورية هذه الأيام تختلف كلياً عن المطبات التي تعرض لها خلال الستين سنة السابقة، لأن هذه المعركة تهدف إلى تدمير وتخريب كل ما بناه خلال تاريخه النضالي بكامله ليس على المستوى الفكري والعقائدي والمنهجي فحسب، بل كذلك على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي، ومخططٌ لهذه الحرب أن تؤدي في النهاية إلى إلغاء حقبة البعث بكل ما تحمله من إنجازات وقيم، وقد بدأت المعركة بتحريك بعض المناطق تحت غطاء مطالب شعبية بسيطة وصلت للمطالبة بإلغاء المادة الثامنة من دستور الجمهورية العربية السورية التي كانت تُعطي للحزب حق استفراده في قيادة الدولة والمجتمع، وكانت ردة الفعل المباشرة من قيادة البعث تأييدها لتغيير الدستور بالكامل، وترك مبدأ قيادة الدولة والمجتمع لصناديق الاقتراع التي هي صاحبة الحق في قول كلمة الحسم في تحديد الحزب الذي يفوز بالأغلبية في المجالس المحلية والوطنية وتسلم السلطة بناءً على نتائج انتخابات حرة ديمقراطية، ومع ذلك استطاع البعث أن يُثبت حقه في القيادة بقوة نتائج الانتخابات  سواء في المجالس المحلية أو التشريعية، ولم يجد غضاضة في التناغم والتنسيق مع بقية التيارات الوطنية المخلصة التي استطاعت تحقيق حضور نسبي في الانتخابات  مهما كان بسيطاً للحفاظ على اللوحة الوطنية المتكاملة، لأن قيادة البعث ومنذ قيام الحركة التصحيحية عام 1970 كانت منفتحة على بقية الأحزاب الأخرى والمستقلين للمشاركة الفعالة في قيادة الدولة وإدارة مواقع السلطة العليا سواء في الحكومة أو في المجالس التمثيلية ولم تكن في يوم من الأيام لديها أية مخاوف من تأثير ذلك على شعبية البعث في الشارع.

وهنا لا بد لنا من كلمة حق نقولها للتاريخ ونحن على قناعة مطلقة بها، وبالرغم من السلبيات الكثيرة التي ظهرت هنا وهناك بعد استلام حزب البعث السلطة في سورية، وظهور بعض الممارسات غير المنسجمة مع فكر الحزب وعقيدته، فإن الانجازات الكبيرة والضخمة التي حققتها ثورة البعث في سورية على المستوى الفكري والعقائدي والتربية والتعليم والجيش، وما تم تحقيقه في الجانب الاقتصادي والخدمي، هو ضخم جداً وكان سر صمود سورية شعباً وحكومة وجيشاً في وجه حرب الإقصاء هذه التي دخلت عامها السادس دون أن تتمكن من تحقيق أي من أهدافها العريضة التي رُسمت لها، فسورية اليوم لا تُقارن بأية دولة في المنطقة من حيث البنية التحتية الضخمة والاقتصاد الاستراتيجي المدروس، والجيش العقائدي المنظم، والشعب الواعي الموحد على الرغم من تعدد أطيافه وتنوعها، فهو يُشكل حالة من الوعي المعرفي والحضاري العالية المستوى بين شعوب العالم بفضل التثقيف العقائدي الذي تبناه حزب البعث العربي الاشتراكي في المدارس والجامعات والجيش والمنظمات الشعبية والنقابات المهنية، وإن وعي القيادة السورية وحكمتها في التعاطي مع الأحداث جعل الخسائر في حدها الأدنى وهو السبب الرئيس في إطالة أمد الحرب وتأخير الحسم، وإن خروج جزء لا يتعدى  10 % من مجموع الشعب السوري بمن في ذلك من يُسمون أنفسهم معارضة الخارج عن هذه الوحدة، لا يُشكل مخاوف حقيقية لمستقبل سورية، وإن ما بناه حزب البعث خلال تاريخه النضالي الغني، ليس بمقدور أية قوة في العالم القضاء عليه أو تدميره بالسرعة التي كان يتوقعها الأعداء، لأنه مبني على قاعدة صلبة !!

إن الحراك الشعبي الذي يعيشه الوطن في هذه الأيام للتحضير لانتخابات مجلس الشعب هو انتصار للدستور وللسيادة الوطنية، وتطلع نحو مستقبل أفضل من خلال اختيار كفاءات وخبرات وطنية عالية لعضوية مجلس الشعب،  و أن الانتصارات اليومية التي تحققها بواسل جيشنا العربي السوري البطل على الساحة السورية الواسعة هي نتيجة تخطيط حكيم وشجاع من قبل قيادة البعث وعلى رأسها السيد الرئيس بشار الأسد الأمين القطري للحزب، ومع ذلك نقر بأن الحزب مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لمراجعة أخطائه في المرحلة الماضية وترميم هيكليته التنظيمية والفكرية والانطلاق نحو المستقبل بشخصية جديدة تنسجم والتطورات الكبيرة التي حصلت أثناء الحرب على سورية، وأن لا يُلهيه طعم النصر عن واجبات تكريم الشعب والجيش الذين حققوا الانتصارات بصمودهم وتضحياتهم، سيما وأن قطار بناء سورية الجديدة وضع على السكة الصحيحة ونحن لم نزل في المعركة، وقد بينت النتائج الأولية أن العديد من القيادات المركزية والفرعية ممن هم غير قادرين على إثبات أنفسهم بقوة العمل لتحقيق آمال الجماهير البعثية والشعبية التي تنده بأعلى الصوت على ضرورة استبعاد مساحي الجوخ والمتكئين على علاقات مشبوهة، الذين لم يزل حضورهم قوي في العديد من المواقع القيادية والإدارية، وهذا ما يُعرقل إنجاز مشروع إعادة الإعمار  ولا بدَّ للقيادة من أن تُعيد النظر في العديد من المواقع الميدانية خلال فترات قصيرة لإقصاء هؤلاء من قطار إعادة البناء لأنه لا يجوز أن يحمل في عرباته غير الشرفاء والمخلصين الذين يتحملون بمسؤولية عالية متابعة السير خلف القائد العربي الشامخ شموخ قاسيون الرئيس بشار الأسد .

كل عام وبعثنا بخير ووطننا بتقدم وازدهار

 

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *