مفاوضات جنيف 3.. والهزيمة السياسية!

بات من الواضح للقاصي والداني بأن التزام العديد من التنظيمات الإرهابية بوقف الأعمال القتالية في بداية اعتماد الهدنة كان مجرد وقف مؤقت لأعمالها الإرهابية للاستفادة من الزمن وأخذ قسط من التنفس وإعادة ترميم قدراتها القتالية بعد أن كانت تتهاوى بسرعة مذهلة أمام ضربات الجيش العربي السوري والقوات الحليفة له، وجاءت الهدنة كفرصة وافقت عليها الإدارة الأمريكية لانقاذ هذه العصابات من الانهيار والانهزام الكامل واستثمارها فيما على طاولة المفاوضات المقترحة، حيث قامت الإدارة الأمريكية التي تُمثل أحد راعيي الهدنة الأساسيين بتوجيه حلفائها في المنطقة لتزويد التنظيمات الإرهابية بالسلاح اللازم لاستمرارها في الحرب بقدرات جديدة متطورة دون الالتزام بشروط الهدنة المتفق عليها، وقد تم فعلاً تزويد هذه التنظيمات الإرهابية بـ 3000 طن من الأسلحة الحديثة المتطورة عبر تركيا، وهذا ما كشفت عنه اكثر من جهة إعلامية وسياسية دولية، وقد ظهرت نتائج هذا الدعم على الأرض من خلال استخدام العصابات الإرهابية لصواريخ أرض – جو الحرارية صينية الصنع.

ذهب وفد الجمهورية العربية السورية إلى جنيف محملاً بنوايا صادقة وبأفكار واقعية لدعم الحل السياسي للأزمة السورية ووضع إطار مشترك مع ما يُسميها الغرب “معارضة سورية” من أجل وقف الحرب وحقن الدم السوري، ضمن مشروع نهضوي حديث يطال الهيكية السياسية للدولة، وقد ناقشت دمشق ورقة المبعوث الأممي “ستيفان دي مستورا” المفخخة باكثر من بند أصلاً، ودرستها  بروية وقدمت ملاحظاتها عليها في خضم المفاوضات الافتراضية بين السوريين، وعندما وجد وفد الرياض بأن أحلامه الوردية التي تم تلقينه اياها من قبل مشغليه غير قابلة للتداول أو التنفيذ وهي من الزمن الماضي سواء موضوع هيئة الحكم الانتقالي أو غيرها من الطروحات التي يرددها وفد الرياض باستمرار، جاءته التعليمات بالانسحاب من المفاوضات فورا، وهي هزيمة سياسية كبيرة أمام قوة المنطق التي يتسلح بها الوفد السوري الرسمي أكثر منها كقرار بوقف التفاوض، وهناك أسباب عديدة خلف انسحاب وفد الرياض يأتي في مقدمتها حالة التمرد التي تنتهجها مملكة بني سعود هذه الأيام في وجه السيد الامريكي والتهديد ببيع السندات الامريكية التي تُقدر بـ 750 مليار دولار أمريكي، في محاولة لكسر إرادة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” ومنعه من تنفيذ ما سمي “بعقيدة أوباما” تجاه مشاكل الشرق الأوسط، وما جاء في حديثه لمجلة “اتلانتك” وتحميله النظام السعودي مسؤولية دعم وإنشاء التنظيمات الإرهابية في سورية والعالم، وتأجيل مشاركة عملائها في اجتماع جنيف 3 جاءت على خلفية إعلان “أوباما” زيارة السعودية اليوم الأربعاء أثناء كتابة هذه المقالة لمشاركته في اجتماع قمة خليجي بعد إجراء مباحثات هامة مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز.

هناك من يرى بأن زيارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” للخليج تحمل أكثر من وجه، أهمها شرح مضمون التفاهمات الروسية – الأمريكية تجاه الحرب على سورية ومستقبل الحل السياسي، وربما تحميلهم مسؤولية الفشل في تحقيق الأهداف من تلك الحرب، وبالتالي شد اللجام على الأفواه التي تنتقد السياسية الامريكية في هذه الساحة، إضافة إلى زرع نوع من الطمانينة غير الدائمة المفعول لدى حكام الخليج بان التغيرات القادمة لن تجرفهم جميعاً، بل سيواجهونها بأقل قدر من الخسائر بفضل استمرار العاية الأمريكية لهم، وستعمل الإدارة الأمريكية على تخفيف وطأة التغيير عبر نقل الطرابيش من رؤوس عشعش فيها العفن إلى جديدة أكثر قبولاً في المرحلة القادمة، و ذلك مجرد عملية تنظيف الساحة من بعض الوجوه التي فاحت رائحتها وأصبحت تُشكل خطراً حقيقياً على استقرار منطقة الخليخ وعلى مظلتها الامريكية في ظل غياب القطب الأمريكي الواحد المسيطر على العالم وظهور شركاء لهم مصالحهم في المنطقة، ولديهم القدرات الكافية للحفاظ عليها وربما أكثر ..

نستطيع القول بأن العالم بات يقترب اكثر من أي وقت مضى بالاعتراف بسقوط الحل السياسي في سورية عبر مشاركة تلك الوفود الهزيلة التي لا تمتلك أي بعد شعبي داخل سورية، وان المجتمع السوري العلماني المنفتح على الحضارات الحديثة لا يستطيع تحمل هذه الشخصيات المصنّعة في أقبية الاستخبارات الأجنبية وتحمل أيديولوجيا التكفير والقتل، كما أنه يرفض أي دور لها أو أي شكل من أشكال الإرهاب في مستقبله السياسي والعسكري، وبالتالي بات الحسم على الأرض هو الخيار الذي يؤمن به السوريون ويسعون إليه بكل الوسائل، ويعقدون الأمال الواسعة على جهود الجيش العربي السوري وحلفائه في حسم هذه المعركة بأقصر وقت ممكن، ويلتفون بقوة خلف قيادة رئيسهم الشجاع الدكتور بشار الأسد الذي قاد المعركة في أصعب الظروف وأقساها واستطاع ان يُنقذ سورية من الانهيار بفضل حكمته وبراغماتيته التي أذهلت الصديق قبل الخصم، وأثبتت تمسكه بسورية واحدة موحدة عزيزة مستقلة.

 

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *