المايسترو باغبودريان: في “اوغاريت” نحن من بدأ الموسيقى

لعله خير مثال عن المايسترو، إذ نشأ  على يد مؤسس الفرقة السيمفونية الوطنية السورية الأستاذ صلحي الوادي إلى جانب دراسته الأكاديمية في إيطاليا، وقيامه بدورات تخصصية في كل من ألمانيا وأميركا ورومانيا، فهو الشخصية القيادية ذو الإحساس المرهف الذي جعلته خير خلف للراحل صلحي الوادي.

إيمانه الكبير بالموسيقى ورؤيته الثاقبة لأمور الحياة من زاوية الموسيقى، جعلته يفند سلبيات الموسيقى ويعطي رؤى لحلولها، للحديث عن حال الموسيقى الكلاسيكية في سوريا كان لنا حديث مع قائد الفرقة السيمفونية الوطنية السورية المايسترو ميساك باغبودريان.

بداية تحدّث ميساك باغبودريان عن بدايته في 2003 كقائد للفرقة حيث مرّ بمراحل عديدة سواء مع الفرقة أو على المستوى الشخصي، وأوضح: عندما عدتُ في 2003 كانت ظروف الفرقة صعبة لأن مؤسسها الأستاذ صلحي كان مريضاً، ولهذا السبب طلبوا مني العودة من إيطاليا، حينها كان لدّي أحلام عديدة في رأسي كأن أعمل مع الأستاذ صلحي وأن أستفيد من خبرته، كل هذه الأحلام اختفت لتترتب على كاهلي مسؤولية قيادة الفرقة وأن أكمل المشوار بعد رحيله.

وتابع باغبودريان: كانت لدي تجربة في الخارج حيث عملت مع فرق كأوركسترا “أماديوس” لكن في سوريا الوضع مختلف جداً والتوفيق بين ما تعلمتيه من علوم والخطط الأوروبية للموسيقى وبين ما يجب تقديمه لنا كمجتمع مثالاً، بمعنى أنه في أوروبا عندما تقررين أي برنامج موسيقي فإن أغلب الجمهور يكون مستمع لهذا العمل مرات عديدة فيكون هناك مقارنة فقط بطريقة الأداء، بينما هنا في كثير من الأحيان نقدم أعمالاً يسمعها الجمهور للمرة الأولى، وهنا تقع المسؤولية، مضيفاً أنه لا يفكر فقط كموسيقي وإنما كفرد من هذا المجتمع فيما يجب تقديمه حتى يوسع دائرة الثقافة، مع الحفاظ على جدية العمل التي بدأها الأستاذ صلحي منذ تأسيس الفرقة.

وقال باغبودريان أن في 2003 كان لديه ولمدة عامين أو ثلاث صراع مع نفسه نتيجة رغبات داخلية كأن يرغب بتقديم عمل ما لكن عليه التفكير بكيفية اختيار العمل وهل سيحبه الجمهور وكم الوقت المتاح لتنفيذه، وما عدد الموسيقيين، فهذه الاسئلة كانت مهمة جداً، مضيفاً أن أهم درس تعلمه بعد الدراسة العلمية والخبرة العملية هو الخبرة العملية في سوريا ففيها الوضع مختلف جداً.

وأشار باغبودريان إلى نقطة هامة وهي أن لسنين طويلة كانت الفكرة السائدة أن الموسيقى الكلاسيكية ليست موسيقانا، بينما يعتبر أن الموسيقى عندما بدأت مع الإنسانية انطلقت من “أوغاريت”، التي تضم أول تدوين موسيقي موضحاً أن وجود تدوين يعني أن هناك شيء أكاديمي ما يعني أننا نحن من بدأ الموسيقى أكاديمياً، حسب تعبيره.

واستفاض باغبوريان موضحاً: بعد ذلك خرجت أسماء عديدة مثل “الكندي” و”زرياب” عملوا بالموسيقى، نذكرهم دون أن نعلم ما أنجزوه، حيث انتقلت علوم كثيرة عن طريق الأندلس إلى أوروبا، حينها دخلنا نحن بعصور الظلام ولم نخرج منها حتى انتهاء عصر الانتداب والاستعمار، مضيفاً أن سوريا بدأت تستعيد علاقتها بالموسيقى منذ ستينيات القرن الماضي، بعد أن بقيت لمدة 400- 500 عام بعيدة عن أي علاقة بالموسيقى الأكاديمية.

كما أشار باغبودريان إلى أننا في سوريا نملك تراثاً وهذا هام، فالتراث يعتبر غنى ويمنح المجتمع هوية، مضيفاً أن هناك لغة عالمية يجب الحديث عنها، فهناك ما له علاقة بالتراث وهناك ما له علاقة باللغة العالمية الانسانية، ومهمتنا أن نعيد علاقتنا مع هذا القطاع من الموسيقى.

ولدى سؤاله عما إذا كانت أعمال الفرقة نخبوية أو لعامة الشعب أجاب باغبودريان: سأجيبك بسؤال إن أخبرتك عن السيمفونية 40 لموتزارت فهل ستعرفيها ستجدينها غريبة، لكن إن علمتِ أن هذا اللحن أخذه الرحابنة وجعلوه لحناً لأغنية فيروز “يا أنا يا أنا وياك”، حينها ستعرفيها، فالمشكلة ليست بالموسيقى بحد ذاتها، فحين وظفها الرحابنة بشكل صحيح أحبها الجمهور، وهناك أمثلة عديدة على ذلك.

وعن نسبة حضور الشعب السوري لمثل هذه الأمسيات يرى باغبودريان أنه اذا استطاعوا شرح الموسيقى مبدئياً بغض النظر عن نوعها، فسنجد أن العديد من الناس ستتجاوب، وأضاف: لدي تجربة بهذا الخصوص وهي تجربة جميلة ومفاجئة في آن، فعندما كان هناك مشروع بعنوان “موسيقا على الطريق” الذي قدمته محافظة دمشق مع جمعية “صدى”، قدمنا حفلاً في حديقة “المنشية” بدمشق، الغريب في الأمر أنه عندما بدأنا التجهيز للحفل بدأ الناس بالتجمهر حولنا وبدأ الجالسون في الحديقة بالنظر إلينا بدهشة، وعندما بدأنا بالعزف اقترب الناس واستمعوا باهتمام وحب، يومها سألني أحدهم أين يمكنه الاستماع لمثل هذه الموسيقى، فعندما أخبرته في دار الأوبرا، أجابني لا إنه مكان مخيف، فمن هنا نعلم أن المشكلة ليست بالشعب بل بطريقة تقديم هذه الموسيقى، مضيفاً أنه عندما يشعر الناس أن دار الأوبرا ليس مكانهم فهذا مسؤولية الدار ومسؤولية وسائل الإعلام أيضاً.

وذكر باغبودريان أن أساس المشكلة تكمن في المدارس، والتي لها الدور الرئيس في تعريف الأطفال بالموسيقى وغيرها من الفنون، مشيراً إلى أن هذا الدور غير مكتمل، فليس هناك جدية في التعاطي مع هذا المقرر في المدارس، فالخلفية الثقافية والموسيقية لأساتذة الموسيقى ضعيفة، لاشك أن هناك استثناءات لكن هذه هي الحالة السائدة.

إلى جانب ذلك، أشار باغبودريان إلى موقف الأهالي من الموسيقى ورفضهم عمل أبنائهم فيها لعدم توفيرها عيش كريم، موضحاً أن الظروف اختلفت الآن فأصبح هناك مؤسسات أكاديمية ومعاهد وأصبح هناك فرص عمل وفرق موسيقية تعمل على مسارح جدية كدار الأوبرا، مؤخراً بدأت الأهالي تقتنع أنه من الممكن أن توفر الموسيقى لأبنائها حياة كريمة.

وعن الفروقات في الموسيقى بين الشرق والغرب، أوضح باغبودريان أن أوروبا بعد أن عاشت عصور الظلام بدأت في عصر النهضة تُدخل الموسيقى في المجتمع، وتابع: لا أقول أن وضع الموسيقى جيد جداً في أوروبا ولكنها كانت وسيلة تعبير لحال المجتمع، وهذا له علاقة بالنظريات الانسانية والاجتماعية وبالفلسفة، فعندما حدثت الثورة الاقتصادية في بريطانيا قلبت الموسيقى رأساً على عقب، أما بالنسبة لنا فهذه العلاقة ضائعة          فالموسيقى بقيت حالة هروب من الواقع.

وأضاف: أحياناً أحفظ أغنية، من تلك التي أسميها فقاعات رغم أنني لا أسمعها، هذا ليس سوى نتيجة الضخ الإعلامي الكبير فهو موضوع تسويقي وترويجي، مشيراً إلى أهمية المثقف ففي أوروبا استطاع المثقف رفع سوية المجتمع، أما هنا وبالتعاطي السلبي للمثقف جعل المجتمع يذهب باتجاه آخر.

وبالحديث عن لفظ “المايسترو”، الذي أطلق مؤخراً عن صاحب الشخصية المميزة، وكيف يجده باعتباره “مايسترو”،  أوضح باغبودريان أنها كلمة إيطالية تعني المعلم أو شيخ الكار، وتم في الموسيقى اعتمادها للدلالة على conducter أو قائد الفرقة، مضيفاً أنه فعلياً هو شيخ الكار الذي يعرف أكثر من 65 عازف متواجد معه وقادر بشخصيته القيادية وإلمامه بالعلوم الموسيقية وطريقة عمله أن يقنعهم بالاتجاه الذي يريد، حسب قوله.

وتابع: فالمايسترو هو فقط من لديه أدوار جميع العازفين، فالمايسترو هو المتحكم بالعملية الإنتاجية الموسيقية بالكامل.

أما عن جذوره الأرمنية وهويته السورية وأثرهما في الموسيقى، أوضح باغبودريان: يكفي أن تكون هويتي سورية لأن سوريا عبارة عن مزيج وحضارات وتاريخ مستمر  فكلما فكرت بسوريتي أفكر في “أوغاريت” وما قدمته للانسانية وأفكر في “تدمر” وبالحضارة السريانية، وهذا يعلمك كيف تكونين قادرة أن تكوني وريثة لهذا التراث وتسيري به للأمام، مضيفاً: المسؤولية كبيرة، فالحرب التي نعيشها فيها هجوم كبير على آثارنا وتراثنا وإرثنا الفني فهي حرب حضارية، والجميع يذكر فرحة العالم عند تحرير “تدمر” وسبب ذلك أنه يعتبر نفسه معني بهذه المدينة وبهذا التراث، فكم بالحري أن نكون نحن.

وعن الصعوبات المترتبة قال باغبودريان: بالحقيقة الصعوبات كثيرة فمنها إدارية واجتماعية وانسانية، وهذه الصعوبات جاءت نتيجة ثقافة المجتمع، وتابع موضحاً: هناك وزراء أتوا لحضور حفل موسيقي دون أن يدركوا أهميته وأهمية ما يُقدم حتى أن أحدهم أخبرني أن هذه الموسيقى ليست موسيقانا، وهذا ليس سوى دليل على كمية الإنفصال الثقافي الذي نعيشها.

وتابع باغبودريان موضحاً أنه لا علاقة للجانب المادي في هذا الاهتمام، فهناك أهالي من الطبقة الكادحة تحرص علي تعليم أولادها موسيقياً، رغم تجاهل الأهالي من الطبقة الميسورة مادياً لهذا الجانب، لا سيما أن هناك دولة ترعى وتدعم مادياً فالرسوم بالمعهد العربي للموسيقا لا تتجاوز مئتي ليرة سورية سنوياً، مضيفاً أن الدولة تضع إمكانيات ضخمة جداً، فالمشكلة هي مشكلة وعي وفهم وادراك، حسب قوله.

وفيما إذا كانت الموسيقى متصلة بباقي الفنون، قال باغبودريان أنه ليس بالإمكان أن تكون منفصلة عن باقي الفنون، مشيراً إلى أنه هنا يظهر ذكاء المتلقي وفضوله في معرفة مايسمع، فكثير من المؤلفين الموسيقيين تأثروا بفنانين تشكيليين في تأليف موسيقاهم والعكس صحيح، فهناك مسرحيات مرتبطة بموسيقا معينة، فما ينقص هو حلقة الوصل بين هذه الفنون، حسب تعبيره.

وعما إذا زاد التحدي بالنسبة للموسيقا مؤخراً، قال باغبودريان أن التحدي كبير بالنسبة لجميع الفنون في بلدنا والمنطقة بشكل عام وذلك لانتشار الأعمال التجارية الاستهلاكية بكثرة، من قبل شركات يهمها أن يصبح مجتمعنا استهلاكي لأسباب تجارية وسياسية.

وعن الحلول الممكنة، قال المايسترو أن الحلول ليست بالسهلة للأسف، فهي تحتاج لقرارات جريئة إذ لا بد من التركيز على تعليم الأطفال، وتابع: فإن لم نحصل على جيل كهذا فلا يمكن تغيير شي وسنبقى على المواهب الفردية والفطرية، فمن الملاحظ أننا مبدعين في الرياضات الفردية فقط، وسبب ذلك هو أننا لا نتمتع بروح الجماعة والكتلة الواحدة ليست موجودة، مضيفاً أن الموسيقى وسيلة هامة لتعليم العمل الجماعي، ففي الأوركسترا هناك ثقافة معينة، ثقافة أصبحت فلسفة تتلخص ب ” قد يكون دوري ليس مهماً لكن وجودي مهم”.

عن طموحاته أعرب باغبودريان أنه في السابق كان يتجلى بإقامة أوركسترا في كل مدينة فهذا يعطي نظرة مختلفة للمجتمع، أما الآن فأصبح طموحه الحفاظ على الفرقة السيمفونية الوطنية بسبب سفر الموسيقيين وابتعاد البعض لضغوط مادية ونفسية، فعمل الموسيقي عمل يتطلب جهد وتركيز كبيرين لما فيه من عواطف وتعب واستنزاف نفسي، إلى جانب ضغوط مادية نظراً لأن الموسيقي مسؤول على مصاريف مهنته بالكامل، مشيراً إلى المفارقة الكبيرة فرغم ما تتحمله الدولة من أعباء مادية ضخمة لتشكيل أي موسيقي إلا أنه لم يتم التوصل لصيغة إدارية قانونية تؤمن لهم فرص عمل لائقة وتحميهم من خيار السفر.

وعن إمكانية التحسين والحلول، أكد باغبودريان أنه لا بد من التكامل بين جميع المؤسسات التي تعنى بالموسيقى، بدءً من وزارة الثقافة ووزارة التربية مروراً بالمؤسسات الخاصة كالأمانة السورية للتنمية ومؤسسات وسائل الإعلام، وأضاف: كل ما سبق يحتاج لدعم مادي، ودونه لن يكون ناجح مهما كنا متطوعين فهناك تكاليف ومصاريف، وهذا الدعم لا يقل على دعم المستشفيات والجيش، فعندما تواجهين حرباً ثقافية لابد من مواجهتها بحرب ثقافية ثانية، مشيراً إلى حاجتنا لكافة الفنون لنوقظ المجتمع من صدمة التعصب والتطرف التي تعرض لها، حسب تعبيره.

وعن آثار الحرب على الموسيقى، قال باغبودريان أنه في البداية كان سلبي حيث ابتعد البعض عن الموسيقى، فالموسيقى بالنسبة لنا حالة ترف، وتابع: مع الوقت بدأت الناس تكتشف أن الموسيقى حالة وجود وتدخل إيجابي في المجتمع، وهي حالة تشاركية وحالة حفاظ على هوية المجتمع الثقافية، مضيفاً أن المجتمع السوري ليس سوداوياً بل الحرب هي التي أدت الى حالة الانكسار وخيبة الأمل هذه، وبالموسيقى نستطيع التغلب عليها، حسب رأيه.

وعن مشاريعه أعرب باغبودريان أنه سيشارك في 28 من الشهر الجاري في مهرجان “قرطاج” في تونس، حيث سيقام حفلات موسيقية كلاسيكية وسيشارك مع مغنيتين منفردتين سوريتين هما: “سوزان حداد” و”منار خويص”، إلى جانب مشاركة موسيقيين ومغنيين من تونس، مشيراً إلى أنه من المهم في حالة الحصار هذه أن نحتك مع الموسيقيين العرب وأن نبني جسور تواصل مع البلدان العربية.

إلى جانب ذلك تشارك الفرقة السيمفونية الوطنية السورية خلال العام بعدة نشاطات.

وأضاف باغبودريان: حالياً بانتظار الدعوة من مهرجان الجزائر للموسيقا السيمفونية الذي يقام سنوياً، والذي نشارك فيه كل عام، والشباب لديهم رغبة كبيرة بتقديم شيء، وأتمنى أن نكون قادرين على تحمل هذه المسؤولية فهي مسؤولية كبيرة بهذه الظروف.

وختم المايسترو ميساك باغبودريان أنه علينا فهم فكرة المجتمع بشكل صحيح، لنكون متكاملين ونحترم بعضنا البعض وهذا لم نتعلمه في السابق، لذلك في الحرب علينا أن نتعلم أن لكل فرد منا مساحته التي يستطيع من خلالها تقديم ما يفيد الوطن، مؤكداً أن على كل فرد القيام بمسؤوليته على أتم وجه حتى نعيد الوطن مثلما كان وأفضل.

البعث ميديا || خاص – غوى يعقوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *