ما أبعاد العلاقة الروسية التركية بعد قمة سان بطرسبرغ؟

أثارت قمة بطرسبرغ التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان الكثير من التكهنات والتوقعات حول حجم التغيير الممكن في السياسة التركية الخارجية في أعقاب الانقلاب الفاشل والاستدارة الحادة لتصحيح العلاقة مع روسيا وسط توترات واضحة بين تركيا من جهة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية أساسها شكوك تركية عميقة بتأييد الغرب وأمريكا للانقلاب أو عدم انزعاجهما لو نجح الانقلاب وأطاح بنظام اردوغان وحزب العدالة والتنمية وجاء بالخصم اللدود فتح الله غولن وكيانه الموازي في الساحة التركية وتستعر الحملات الإعلامية التركية منذ الانقلاب في هذا الاتجاه .

من الواضح أنّ لكلا البلدين مصلحة سياسية واقتصادية بوضع حدّ للحالة العدائية التي سادت بعد إسقاط الطائرة الروسية مصلحة سياسية تكمن في أنّ روسيا وتركيا لديهما خلافات عميقة مع الحكومات الغربية، وتحديداً مع الإدارة الأميركية روسيا تستقوي بتركيا وتضغط على الغرب من خلال اعتماد أحد أقوى حلفائها في المنطقة، وتركيا تستقوي بروسيا أو تلوّح للغرب بوجود بدائل له إذا لم يأخذ مصالحها بعين الاعتبار، ولا سيما على مستوى الموقف من الأكراد.

اقتصادياً، روسيا التي تتعرّض لعقوبات اقتصادية، وما يشبه الحصار الغربي لها مصلحة في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع تركيا، وزيادة مستوى التبادل والتعاون الاقتصادي والتجاري. وتركيا تدهورت علاقاتها مع العراق وسورية وأدّت الحرب الدائرة في سورية إلى وقف نشاطها الاقتصادي، أو استخدام الأراضي السورية لتمرير بضائعها إلى الدول العربية الأخرى هي بحاجة ماسة إلى الحفاظ على نموّها الاقتصادي، لا سيما أنّ شرعية حكم حزب العدالة والتنمية مستمدة بالدرجة الأولى من مستوى ما حققه الاقتصاد في ظلّ حكومات هذا الحزب المتعاقبة منذ عام 2002 وحتى الآن.

بالطبع لم يكن متوقعا  أن تقود قمة سان بطرسبرغ  إلى مراجعة السياسة التركية لجهة الارتباط بحلف الناتو وتنفيذ سياسات الحلف، ولكن كان متوقعا الحديث عن توفير الدعم التركي للجماعات الإرهابية في سورية وإيقاف ذلك وان كانت الولايات المتحدة ترغب باستمرار تقديم هذا الدعم الرئيس الروسي ويبدو مؤكدا أن الرئيس الروسي  طلب من نظيره التركي وقف تدفق الإرهابيين وتطبيق قرار مجلس الأمن، ولكن استجابة تركيا لهذا المطلب مرتبطة بقرار من حلف الناتو ولن تصطدم تركيا مع الناتو فمثلما أنّ هناك مصالح تركية مع روسيا تفرض عليها إقامة علاقات مع موسكو، هناك أيضاً مصالح تركية مع دول الناتو، وهي أكبر من مصالحها مع روسيا، وإذا ما وضعت أنقرة بين خيارين، روسيا أو الناتو، فهي بكلّ تأكيد ستختار الناتو.

من هنا من غير المتوقع أن يكون حجم التغيير كبيرا في سلوك نظام أنقرة إزاء ما تراهن عليه روسيا بشان الأزمة  في سورية وجوهره إنهاء دور تركيا المساهم بقوة في دعم العصابات الإرهابية في الساحة السورية وهو غير ممكن لسببين يحكمان السياسة التركية الأول لان تركيا في نهاية المطاف هي عضو في حلف الناتو وليس بمقدورها الخروج عن الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط والثاني أن اردوغان لا يمكن أن يتخلى عن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي رعاها منذ البداية وأي تخل عنها سيفقده شعبيته في حزب العدالة والتنمية القائمة على الطابع الإسلامي الاخواني المتماهي مع التنظيمات الإرهابية.

فوق هذا وذاك أن الاستدارة الاردوغانية الحادة والسريعة صوب موسكو جاءت في ساعة غضب من أمريكا والغرب بمعنى أنها ردة فعل على الموقفين الأمريكي والغربي من الانقلاب وهذا قد يكون أمرا طارئا وقد يزول أو يتلاشى بعد حين وتعود العلاقات تدريجيا إلى سابق عهدها وبذلك يكون  توقع  بعضهم  تغييراً في السياسة التركية حيال سورية كردّ فعل «انتقامي» ضدّ الغرب صحيحا ولكن بحدود رد الفعل لا أكثر، أما أن تجري تركيا  استدارة كاملة نحو الشرق وتكون أولى مفاعيلها على الساحة السورية فهذا بعيد المنال على المدى المنظور على الأقل وأكاد اجزم أن الأحداث والسلوك الاردوغاني المقبل لن يقدّم للمتفائلين بتغيير تركي ما في سورية أي عنصر أو حدث يبرّرون فيه تفاؤلهم بتراجع تركي عن العدوان على سورية وأننا نرى أنّ هناك أسباباً موضوعية حملت أردوغان إلى سان بطرسبرغ في روسيا للقاء بوتين، ثم أنّ هناك ثوابت إستراتيجية تركية وأطلسية تحول دون الاستدارة والتحوّل الجذري.

ونستند في هذا الاستنتاج إلى حقيقة  أن  دوافع  أردوغان للذهاب إلى روسيا تتمثل في تحقيق هدفين أساسيين لا يتصل أيّ منهما بالأزمة السورية مبدئيا أولهما مسألة الاقتصاد التركي الذي تتسارع وتيرة تراجعه، التي تفاقمت بعد الانقلاب الفاشل الأخير، ويعلم أردوغان أنّ أحداً لا يستطيع أن يقدم خدمة له في هذا المجال كروسيا وثانيهما سياسي ابتزازي  يريد أردوغان أن يوجه عبره رسالة تحدّ واستفزاز وانتقام من أوروبا التي توصد الأبواب أمامه ولأميركا التي كادت أن تطيح به في الانقلاب لولا تراجعها في الساعات الأولى لنجاح الانقلاب وتحويل النجاح إلى فشل ثم إلى كارثة على الانقلابيين.

ومن الصعب أن نتصور أن الحكم التركي واردوغان شخصيا  سوف يتنازلون عن مشروعهم الاخواني بنسخته السورية عن طيب خاطراو بمكاسب محدودة  وهم يراهنون على معركة حلب الان  لجعل «الإخوان» ثقل الوجود التمثيلي لها وفيها في المستقبل، حتى أنّ «جبهة النصرة» الجاري حالياً جهدٌ إقليمي لتلميع صورتها، باتت مستعدة لأن تقايض استبدال افتراقها عن «القاعدة»، بتقارب مع  الإخوان وإعادة تلميع دورها  ويلاحظ أنّ هذه المؤشرات تتفاعل بداياتها في ميدان حلب.

على أية حال لا خسارة لروسيا بل هناك جملة إرباح  من استدارة اردوغان نحوها حتى لو انطوت هذه الاستدارة على نوع من النكاية لأمريكا والغرب فقط وحملت في ثناياها تحقيق مصالح تركية روسية  اقتصادية مشتركة فقط دون الوصول إلى تحقيق تقدم في المسارات السياسية حاليا ولا سيما على صعيد الحرب الإرهابية  في سورية  صحيح انه لا احد يمكنه القول أن تركيا سوف تبتعد عن حلف الناتو لا الآن ولا في المستقبل لكن الصحيح أيضا أن  المصالح المشتركة بين تركيا وروسيا كبيرة جداً، وهي تبدأ في سورية ولا تنتهي في منطقة الشرق الأوسط أنقرة تريد أن ترهب الغرب بروسيا، فالجامع بينهما اليوم هو الكراهية التي تكنّها واشنطن وأوروبا الغربية لكل من اردوغان وبوتين، وتقاربهما بذاته يشكل ضربة  لمصالح الغرب في المنطقة وكما انتقد الغرب روسيا بسبب ما حصل في القرم، ها هو ينتقد تركيا بسبب عدم احترام حقوق الإنسان وبسبب الطغيان والاستبداد وكم الأفواه.

نقول لا خسارة لروسيا باستدارة اردوغان سواء أملتها الضرورة أم روح الانتقام من حلفائه في  الغرب وأمريكا فقد  ذهب اردوغان إلى سان بطرسبرغ صاغرا بعد اعتذاره المشهود عن إسقاط طائرة السوخوي وهذا بحد ذاته كسب  للسياسة الروسية وإذا استطاعت هذه السياسة دفع حكومة اردوغان إلى تخفيف الدعم التركي لقوى التنظيمات الإرهابية اقله في الشمال السوري  تكون قد حققت مصلحة كبرى كذلك ، ومن مصلحة روسيا أيضا  التلويح  بالورقة التركية  أمام “الناتو” الذي بات على أعتاب الحدود الروسية وعلى الرغم من أن المسؤولين الروس يدركون جيداً أن الأتراك لن “يضحوا” بمركزهم في “الناتو” كرمى لعيون أصدقائهم الجدد ، فإن كسبهم للود التركي كفيل بإقلاق الغرب وجعله يعيد التفكير بخططه وتهديداته لروسيا تدريجيا.

إذا استطاعت موسكو من خلال اللجنة الأمنية العسكرية الدبلوماسية المشتركة الروسية التركية التي باشرت عملها فورا بعد انتهاء القمة دفع تركيا لإغلاق حدودها مع سورية وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة  تكون قد حققت خطوات بالغة الأهمية على طريق حل الأزمة في سورية لان السبب الأساسي في طالة أمد الحرب الإرهابية يكمن في استمرار فتح الحدود التركية على مصراعيها أمام  تدفق الإرهابيين يوميا من مختلف أصقاع الدنيا فضلا عن إيصال الأموال والعتاد لهم بمختلف أنواعه  وبسيل متواصل لا ينقطع وبإشراف مباشر من المخابرات التركية.

وفي المقابل إذا لم تتمكن الجهود الروسية من إقناع اردوغان بإغلاق الحدود فان الوضع لن يتحسن كما هو مأمول بين الطرفين ويكون النظام التركي قد بقي أسيرا للأوامر الأمريكية حيث أن واشنطن لم تعط الضوء الأخضر حتى الآن لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي لتجفيف منابع الإرهاب علما أنها صوتت عليها بعد أن شاركت في صياغتها.

وأخيرا لا اعتقد أن لدى موسكو أوهاما على  أن تركيا يمكن أن تفرط بالناتو، وفي الوقت ذاته لن يكون من مصلحة الناتو التخلي عن أنقرة، فكلاهما بحاجة للآخر ولكن في القراءة السياسة، ستصبح روسيا بلا شك بعد توطيد العلاقات مع تركيا واردوغان، أقوى من قبل وستشكل عنصر ضغط أساسي على الغرب وأمريكا في المواجهة بينهما التي يتوقع أن تبقى طويلة ومديدة طالما بقيت السياسية الروسية تعمل على تحجيم الطغيان الأمريكي و تشكيل معادلات جديدة في المشهد الدولي.

د. تركي صقر

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *