لا رهان على أي إدارة أمريكية

كان لافتاً للنظر هذا الهراش الفاضح بين المرشحَين للرئاسة الأمريكية، وإن كان منذ أيام قليلة اتجه نحو التهدئة، بعدما استطار شرره ليملأ الدنيا ويشغل الناس، حتى خيّل للبعض ضرورة تقليب وجهات النظر وتدقيقها للمفاضلة بين كلينتون وترامب… وصولاً إلى الانحياز من وراء البحار، ثم الانشغال المصيري بهذه الحملة، ولاسيما في مسار  العدوان على سورية.
بالنسبة إلى شعوبنا وقضايانا وحقوقنا، الإدارة الأمريكية هي الإدارة الأمريكية جمهورية كانت أم ديمقراطية. فقد وطّدت الصراع المصيري بين المشروعين الوطني العروبي من جهة، والصهيوأطلسي الرجعي العربي من جهة ثانية، وبدا ذلك جليّاً للعيان منذ لقاء الملك السعودي عبد العزيز بالرئيس الأمريكي روزفلت عام 1945 في منطقة البحيرات المرّة وظهور البترودولار مصطلحاً، واتفاقاً، وسياسةً.
لم ينقطع الموقف الأمريكي أبداً عن دعم الرجعية العربية والكيان الصهيوني، ولم ينحَز يوماً إلى جانب حقوقنا الوطنية وقضايانا العروبية ما ألحق الضرر بشعوب المنطقة وجعلها على الدوام بمنأى عن الأمن والسلام والاستقرار والبناء والتطور الذي تطمح إليه حقاً إنسانياً مشروعاً. ولنا الفخر في تاريخنا المعاصر أنه لم يقم أي رئيس عربي سوري بزيارة الولايات المتحدة.
اليوم يراهن البعض على مسار جديد في أزمتنا الوطنية والعروبية، وعلى منعطف يتأرجح بين الوعد والوعيد يكمن في نتائج الانتخابات الأمريكية. فلا كلينتون، ولا ترامب بأحسن من سابقيهما، ولا أمل يرتجيه العاقل من هؤلاء بعد هذا الانخراط الشرس في دعم العدو  الصهيوني، والعدو الرجعي العربي، حليفي التطرّف والتكفير والإرهاب دون شك.
السيدة كلينتون من أبطال فضائح ويكيليكس، وهي التي اعترفت أمام الكونغرس بانخراط إدارتها في إنشاء تنظيم «المقاتلين من أجل الحرية»، وترامب يؤكد أن، الرئيس أوباما أسس تنظيم داعش الإرهابي، ويصعّد أكثر مع كلينتون… ثم يتراجع ليحمّل ذلك محمل الانفعال. مع العلم أن أوباما حذّر ترامب من استخدام الوثائق السرّية للإدارة التي من حقّه كمرشح رئاسي الاطلاع عليها. في الوقت نفسه يحمّل فريق عمل في الكونغرس الجيش الأمريكي مسؤولية تحريف الحقائق وتشويه الوقائع في محاربة الإرهاب.
وأوباما الذي يرى البعض في شخصيته حكمة ورويّة وبُعداً عن العنف؟! هو بطل الحروب الناعمة القذرة، وهي التي شيّبتهُ وليست سورية، وهو الذي يُبقي النار مشتعلة في المنطقة ويطيل عمر الحرب ويخاتل في «المعارضة المعتدلة» وغيرها.
بدأ خطر أوباما منذ محاضرته في 4 تموز 2009 في جامعة القاهرة بالتنسيق مع جامعة الأزهر بتوجيه رسالة من أهم عاصمة بالوعد “بتحسين العلاقة بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين، التي تشوّهت كثيراً مع بوش الابن..” فلننظر اليوم إلى نتائج هذا التحسّن.
يذكّرنا أوباما منذ محاضرته حتى الآن بما جاء في رسالة نابليون إلى الشعب المصري عام 1798: «يا أيها المصريون: لقد قيل لكم إنني مانزلت بهذا البلد إلا بقصد إزالة دينكم. فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلاّ لأخلّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيّه والقرآن العظيم.. طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير». وفي هذا يتساوى نابليون مع أوباما، ومع ابن سعود أيضاً، ليس في خداع المصريين فقط بل العرب والمسلمين عامة.
لكننا في سورية، ومعنا الملايين من أحرار العرب وشرفاء العالم، ومن الشعب الأمريكي نفسه سنمضي دون هوادة في ردع العدوان والإرهاب، ولا نراهن إلاّ على صوت الحق وقوته. فها هم أعضاء مجلس السلام الأمريكي وهم يمثلّون متغيّراً صاعداً في الرأي العام العالمي لصالحنا يرفعون صوتهم منددين بالسياسة الأمريكية والغربية الداعمة للإرهابيين في سورية مؤكّدين أن «الشعب السوري يساند قيادته وجيشه في مواجهة الإرهاب العالمي والمرتزقة من كل دول العالم.. وأن الرئيس بشار الأسد يرتكز على العلاقة الوطنية والثقة المتبادلة مع شعبه.. وأن ولاية أوباما كلها كانت حافلة بالعدوان والحروب على الدول ذات السيادة».
وإذا كان هناك من فشل لاستراتيجيات التحالف الصهيوأطلسي الرجعي العربي، فليس مرده الحذر أو الانكفاء نحو الهدوء والروّية، بل يعود ذلك أولاً وآخراً إلى الطاقة الكامنة والظاهرة في روح المقاومة والصمود المتجلّية في تلاحم الجيش والشعب مع القائد، وهنا الرهان والضمان.
والحقيقة هي«أن مشكلة المسؤولين الأمريكيين كما أوضح الرئيس الأسد أنهم يقولون شيئاً ويخفون نواياهم خلف الأقنعة ويتحركون في اتجاه مختلف.. ونحن في سورية لا نراهن على أي رئيس يأتي أو أي رئيس يذهب».
فقد أثبتت الأحداث أن سياسة النفاق الأمريكي هذه هي التي كانت ومازالت وراء عرقلة حل الأزمة السورية، والاستمرار في سفك الدم.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *