السعودية.. استقبال جنائزي لفوز ترامب

لعل أكثر ما كان لافتاً في تصريحات الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية هجومه الشديد على السعودية ووصفها بأبشع الأوصاف وهو ما لم يسبق لرئيس أمريكي أن أطلقها ضد أقرب حليف لأمريكا في المنطقة بعد «إسرائيل»، صحيح أن باراك أوباما قد هاجم النظام السعودي مرات عديدة خلال رئاسته ولاسيما ما نشرته على لسانه مجلة «ذا اتلانتك» في أعقاب الاتفاق النووي مع إيران، لكن الصحيح أيضاً، أنه لم يصل إلى الحد الذي وصله ترامب حتى بدت تصريحات المرشح ترامب كما لو أنه غير مبالٍ بكل ما يربط النظام السعودي بالولايات المتحدة، أو أن هذا النظام سيختفي بمجرد فوزه بالرئاسة ومرد هذا الانطباع يعود إلى حدة تلك التصريحات التي عكست عداوة صريحة لا يمكن أن تخفيها أي مسوغات تأتي لاحقاً بعد جلوسه على كرسي البيت الأبيض.
وطبعاً ليس خافياً على أحد أن نظام بني سعود كان يراهن على فوز المرشحة هيلاري كلينتون ولم يخطر في باله ولو لحظة واحدة أن المرشح الجمهوري دونالد ترامب يمكن أن يكتب له النجاح وجرت حسابات هذا النظام كلها على أن الفوز سيكون من نصيب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وساهمت ماكينته الإعلامية في هذا الاتجاه، وتقاطعت التسريبات أن الحملة الانتخابية لكلينتون قد مولت بشكل كامل بالأموال السعودية وهذا ما جعل بعضهم يعزو هجوم ترامب الحاد على النظام السعودي إلى كونه يعرف أن الأخير هو مصدر تمويل حملة خصمه كلينتون في الانتخابات… من هنا كانت نتائج الانتخابات الأمريكية بمنزلة صاعقة وقعت على رؤوس بني سعود الذين درجوا على أن أموالهم هي كل شيء في هذه الدنيا «تجلب رؤساء وتشتري أنظمة وتسقط حكاماً وترفع زعماء» حتى في أكبر دول العالم.
لقد نوه ترامب في تصريحاته الانتخابية بالمال السعودي الضخم هذا، وطالب السعودية وجميع الحلفاء بما يشبه دفع «الجزية» نظير الحماية والخدمات التي توفرها الولايات المتحدة لها، والتي وصفها بالهائلة جداً، إذ قال في هذا الصدد: «هل تتخيلون أننا ندافع عن السعودية بكل الأموال التي لديها، نحن ندافع عنها، وهم لا يدفعون لنا شيئاً» لافتاً إلى أن المملكة لديها أموال طائلة، وهي تجني يومياً نصف مليار دولار، وهم «لا يملكون شيئاً البتة… إلا المال ولا شيء آخر غير المال».
وراح يفسّر هذه المطالب التي يطلبها من السعودية وغيرها استناداً إلى الشعار الذي رفعه في حملته الانتخابية «الولايات المتحدة أولاً» و«لن تكون لقمة سائغة لأحد» وقال: إن بلاده لديها ديون تبلغ 20 تريليون دولار، وعلى السعودية واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية أن يدفعوا للولايات المتحدة لأنها «توفر لهم خدمة هائلة ونخسر الثروات». وذهب في هذا الاتجاه إلى حد القول: إن السعودية قد تصبح قريباً هدفاً لتنظيم «داعش»، إضافة إلى متاعبها في اليمن، مشيراً إلى أن «السعودية ستكون في ورطة كبيرة قريباً، وستحتاج لمساعدتنا».. وأضاف «لولانا لما وجدت وما كان لها أن تكون أوتبقى»، واتهمها بالتدخل في اليمن المجاور طمعاً في نفطه وثرواته.
واللافت أن تصريحات ترامب الانتخابية تجاه السعودية كانت فظة للغاية وخشنة وخلت من أي لغة دبلوماسية حيث ذهب إلى القول إنه لا يستبعد وقف شراء النفط منها ومن دول خليجية أخرى، إن هي لم ترسل قواتها لمحاربة «داعش»، أو لم تسدد فواتير حرب الولايات المتحدة ضد التنظيم الإرهابي، ومن جهة أخرى، كان نعته للسعودية مادة إعلامية مثيرة وعناوين لمقالات صحفية عديدة من مثل أسطورة «البقرة الحلوب» حين تداولت بعض المواقع الصحفية تصريحاً منسوباً لترامب يقول: «إن السعودية بمنزلة بقرة حلوب لبلاده، ومتى جف ضرعها ولم يعد يعطي الدولارات والذهب عند ذلك نأمر بذبحها أو نطلب من غيرنا أن يذبحها»، وحاولت مواقع أخرى التخفيف من لهجة هذا التصريح بالقول على لسان ترامب: «علينا حلب السعودية السمينة قدر الإمكان، وحين يصبح المشايخ الأثرياء عديمي الفائدة، يجب علينا مغادرة الشرق الأوسط».
مهما يكن من أمر فإن ما قاله ترامب عن السعودية وتناقلته وكالات الأنباء الكبرى لا يمكن مسحه بسهولة أو طي صفحته «بتبويس» اللحى على الطريقة القبلية العشائرية، فما كان يروجه الإعلام السعودي في البداية من أن ترشح ترامب نكتة سمجة أضحى بعد 18 شهراً وجوده كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية حقيقة واقعية يجب التعامل معها والنظر إلى تداعياتها على ملفات رئيسة في المنطقة، كما لا يمكن القفز فوق كل ما صرح به حول السعودية وغيرها حيث تعد في نظر الناخب الأمريكي بمنزلة برنامج عمل للرئيس المنتخب، ولا يشفع للإعلام السعودي التخفيف من وطأة تصريحات ترامب عن السعودية مقولاته الجارية الآن: إن «المرشح للانتخابات الرئاسية سيكون غير الرئيس المنتخب وإن استعراضاته الانتخابية لن تكون أكثر من استعراضات دعائية وإعلامية سرعان ما تزول كما تزول الملصقات الإعلانية بانتهاء الحملات الانتخابية، ولن تكون هي السياسة التي سيعتمدها ميدانياً وعملياً في السياسة الرسمية الأمريكية»، هكذا يتصور العقل السعودي الحاكم ما ستؤول إليه تصريحات ترامب لاحقاً.
لكن واقع الحال يقول عكس هذه الخيالات السعودية، فترامب لم يطلق تصريحاته حول السعودية بهذه الحدة جزافاً فهي حصيلة تفاعلات داخلية وتراكمات كثيرة وقناعات عميقة للرئيس الخامس والأربعين ترامب بأن السعودية على وجه الخصوص أضحت عبئاً على الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها ناشرة للإرهاب التكفيري الوهابي في العالم، وأنها وراء أحداث الحادي عشر من أيلول في نيويورك، وأن أسر الضحايا الأمريكيين يعلمون ذلك علم اليقين، وأنه عندما كان يطلق تصريحاته النارية ضد السعودية كان يدغدغ عواطف هؤلاء أولاً وعواطف الشعب الأمريكي المؤيد لهم ثانياً، هذا كله شكل تياراً صاعداً في الولايات المتحدة فرض على الكونغرس إصدار قانون «جاستا» لمقاضاة النظام السعودي وتحصيل التعويضات من الودائع السعودية في البنوك الأمريكية، وهو القانون الذي أيده ترامب بقوة أثناء حملته الانتخابية، وهو السيف الذي سيسلطه في وجه بني سعود طوال فترة ولايته الرئاسية الوشيكة.
لذلك لا عجب في أن نرى النظام السعودي يتلقى نبأ فوز ترامب بغصة كبيرة ولا عجب أن يستقبل الإعلام المحسوب على السعودية نجاح ترامب استقبالاً جنائزياً خالياً من أي مظاهر للفرح أو للترحيب، بينما باشرت وسائل إعلام عديدة تنعى العلاقات الوطيدة التي كانت تجمع بين الرياض وواشنطن منذ ما يزيد على سبعين سنة بل تذرف الدموع على سنوات العسل المديدة بين البلدين معلنة عن انتهائها مع أول يوم لتولي ترامب مهامه الرئاسية.
ومن ناحية أخرى عندما يكون شعار ترامب: «جعل أمريكا عظيمة من جديد» و«أمريكاً أولاً» فهذا يعني تخفيف الأحمال والأعباء التي تشكلها بعض الدول خارجياً ومنها السعودية التي تشعل الحروب الإرهابية والحرائق المدمرة في عموم المنطقة وتريد جرَّ الولايات المتحدة إلى أتونها والالتفات بدلاً من ذلك كله إلى الاهتمام بالسياسة الداخلية للولايات المتحدة، أي الاستثمار في البنية التحتية الداخلية بدلاً من التدخلات الأمريكية الخارجية الباهظة الثمن، أي أن تكون الجسور والمدارس بدلاً من التدخل في سورية والعراق واليمن وغيرها، وهو ما سيحكم في النهاية على سياسة ترامب بالفشل أوالنجاح، وهنا نرى السعودية خارج حسابات ترامب لأنه ليس محتاجاً إليها نفطياً بعد التدفق الصخري الأمريكي، وليس محتاجاً إليها مالياً لأنها ستضطر إلى دفعه إلى واشنطن لحماية عرشها أولاً، وبحكم أن ودائعها ستجمد لمصلحة الدعاوى التي سترفع بموجب قانون «جاستا» ثانياً، ما يعني، وهذا ليس مبالغة، أن مرحلة ترامب ستكون من أصعب المراحل التي تمر فيها العلاقات السعودية- الأمريكية في تاريخها.

د. تركي صقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *