خطورة إهمال لغة الضاد

(فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالِمَ بغوامضها يعلم ما توافق فيه النيةُ اللسانَ، ويخالف فيه اللسانُ النيةَ، وذلك لِما رأيتُه قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناسُ في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُهُ بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه منه يسخرون، وسميته لسانَ العرب).
هذا الكلام لأبن منظور “1232 م 1311” مؤلف المعجم العربي الأول “لسان العرب”، وهو يذكر السبب الذي دفعه إلى ذلك المشروع اللغوي العملاق بقوله ” حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودًا”.
ولكن ماذا لو جاء ابن منظور اليوم وشاهد كيف طلابنا في المدارس يتعاملون مع لغتهم العربية كأنها واحدة من اللغات التي يتعلمها مع غيرها من اللغات، فيقول الطالب مثلا: غدا لدي لغة عربية كما لو أنه يقول لدي لغة أخرى، فيضعها بالتوازي مع اللغات الأخرى، كأنها شيء إضافي خارج عن ثقافته يتعلمه كسائر اللغات الأخرى،بدل أن تكون اللغة العربية هي أساس تفكيره، دون أن يدركها “كلغة” بل كهواء يتنفسه وسبب أساسي لصحة عقله، فمن صح لسانه صح عقله.
ولكن هل هذه المشكلة هي مشكلة الطالب؟ أنها مشكلة طرائق التعليم التي تتعامل مع مسألة مهمة بهذه الطريقة، فمؤلفو المناهج الدراسية على سبيل المثال، يضعون أسفل النص الأدبي حاشية من شرح المفردات، مما يوحي بأن هذه اللغة العربية أصبحت بحاجة لعكاكيز وتفاسير، في حين أن من يذهب لتعلم لغة اجنبية يطلبون منه ومن اليوم الأول اقتناء معجم وحمله، أما نحن بهذا السلوك التعليمي كأننا نقول للطالب :إياك والمعجم نحن نجد الكلمات الصعبة الشرح لك، فيحرمونه بذلك من فرصة إدراك معنى الكلمة في الحالات العديدة التي يشرحها المعجم، ويقصونه عن منهجية التعريف، لان المعجم يعرف، كما يركزون في العملية الامتحانية على ذهنية الحفظ والتذكر وليس على تذوق جمال هذه اللغة والتآلف معها، فمواضيع التعبير متوقعة والأبيات التي سوف تشرح متوقعة مع ميل شديد للتركيز على النحوي بطريقة المعادلات الرياضية، على حساب اللغوي الإبداعي، فالطلاب يدرسون لينجحوا فقط في الامتحان وليس لتطوير عقولهم التي لا تقوم من غير اللغة وفي حين تأتي بعض المناهج الثانوية على ذكر نجوم الشعر الغربي، يغيب ذكر المدرستان اللغويتان العملاقتان” البصرية والكوفية” وربما ينهي الطالب تعليمه الجامعي دون أن تقع يده على رائعة “ابن منظور” لسان العرب أو أحد مختصراته.
ولكي نفهم الهم الثقافي الذي حمله “ابن منظور” وشعوره بحجم خطورة إهمال اللغة يجب أن نستذكر قول “كونفوشيوس” فيلسوف الصين عندما سئل ذات مرة عما سيصنع بادئ ذي بدء إذا ما تكلف بأمر البلاد، فأجاب: “إصلاح اللغة بكل تأكيد”، ثم سئل: “لماذا ؟” فأجاب: ” إذا لم تكن اللغة سليمة، فما يقال ليس هو بالمقصود، فما يستحق الإنجاز لن ينجز، وإذا لم ينجز ما يستحق إنجازه، فإن الأخلاق والفنون يحل بهما الانحطاط، وإذا ما انحطت الأخلاق والفنون فالعدالة ستنحرف، وإذا ما انحرفت العدالة، وقف الناس مضطربين لا حول ولا قوة لهم. ولهذا، يجب التخلي عن الاعتباط في القول، وهذا أمر يفوق في أهميته كل أمر آخر”.
إذا تأملنا ما يقوله المفكران على اختلاف زمنهما والحضارتان اللتان ينحدران منها، يمكن أيضا أن نفهم لماذا تقوم بعض الدول بتخصيص ميزانيات هائلة وجهود كبيرة لنشر لغتها، ليس فقط في داخل الحدود بل وفي خارجها أيضا، فماذا نحن فاعلون.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *