اجتماع الأستانا 2.. والدور التركي المشبوه

تأخر اجتماع الأستانا 2 عن موعده المحدد لمدة أربع وعشرين ساعة بسبب عدم حضور الوفد التركي ووفد المجموعات الإرهابية المسلحة، بالرغم من التحضير المسبق من قبل الجهات الداعية، وهنا لا نجد بأن التأخير عن الحضور كان لأسباب فنية بقدر ما يخفي من تباينات واختلاف في الرؤى قد ظهرت للعلن بعد ان كانت في طور كامن ينتظر ريثما تتوضح الصورة الواردة من واشنطن بإدارتها الجديدة، وبعد أن تخطت المواقف اختبار حسن النوايا إلى برمجة الأهداف وتنسيقها على كافة الصعد ظهر جلياً الدور التركي المشبوه والمراوغ على حقيقته الأطلسية والذي لم يجد رئيسه حرجاً في إعادة تموضعه من جديد بما يتناسب والأجندات المستجدة على ساحة المنطقة والعالم .
في الوقت الذي يتوقع فيه أن يكون اجتماع الأستانا 2 مقدمة هامة وجدية لانجاح مؤتمر جنيف 4 المقرر عقده في العشرين من الشهر الجاري، من خلال التركيز على حصول توافق تام على أمرين هامين هما :
أولاً – ضرورة التأكيد على تنفيذ نظام وقف الأعمال القتالية، وتحديد الجهات التي تخترقه ووضعها أمام مسؤولياتها، وردعها .
ثانياً – تبني قواعد مجموعة العمل المشتركة، بحيث يتمكن المجتمعون من إظهار دور فعال في بلورة المشهد المستجد في السياسة الدولية وما يرافقها من متغيرات في المواقف الدولية في ظل وجود إدارة أمريكية جديدة، تمتلك رؤية مختلفة تماماً عن سابقتها، وإجراء مقاربة حقيقية لمتغيرات الحرب على سورية مع ما حققه الجيش العربي السوري وحلفائه من إنجازات هامة في الميدان، كان أهمها توسيع حلقة الأمن في محيط مدينة حلب المحررة، وصولاً إلى محاصرة مدينة الباب وقطع الطريق الذي يصلها بمدينة الرقة، والاقتراب أكثر من مواجهة الجيش التركي وعصاباته التي اقتحمت الباب خلافاً للتفاهمات مع الجانب الروسي، إضافةً إلى تحقيق مجموعة من المصالحات الهامة في ريف دمشق، هذه التحولات وغيرها تحمل بمجملها مدلولا ايجابيا في طريق ايجاد حل سياسي قابل للحياة للأزمة السورية في حال التزام جميع الأطراف بتطبيق ما يتم الاتفاق عليه.
قد تكون اولى مؤشرات اجتماع الأستانا 2 السلبية كشف النوايا الخبيثة التي كانت مكبوتة عند الجانب التركي، وإظهارها إلى العلن بعد التقاط كلمة السر الأمريكية حول إنشاء مناطق آمنة (أو مناطق معزولة) في سورية تحت حجج إنسانية وحماية المدنيين، سيما بعد ان تعهدت مملكة الرمال الوهابية بدفع فاتورة الكلفة الاجمالية لتنفيذ هذا المشروع التدميري التخريبي في سورية إلى الإدارة الأمريكية، في الوقت الذي كانت فيه ردة الفعل الروسية واضحة وهادئة وحاسمة، على لسان مندوبها الدائم في الأمم المتحدة ” فيتالي تشوركين ” الذي قال: ” إن المتغيرات الميدانية تجاوزت هذا الحديث ..” أي أن هذه الطروحات تجاوزها الزمن ..
القيادة السورية لم توفر أي جهد في مجال تقديم الدعم والرعاية لكل المبادرات مهما كان مستوى جديتها في سبيل حل الأزمة السورية وإنهاء الحرب الظالمة التي فرضت على الشعب السوري، حيث يتم التعامل معها بايجابية مطلقة من قبل الحكومة السورية، مع وجود حذر شديد وعالي المستوى من الغدر الذي يتصف به أعداء سورية الإقليميين والدوليين وهذا ما أكدته الوقائع خلال سنوات الحرب الست الماضية، كما تأمل القيادة في سورية أن يكون لقاء الأستانا 2 خطوة مساعدة في إنجاح مؤتمر جنيف 4، وأن يحقق كل منهما الغاية الايجابية المرجوة منه، وأن لا يكونا مجرد أرقام جديدة في سلسلة اللقاءات المنعقدة حول الأزمة السورية .
ما يُميز المرحلة بتشعباتها المختلفة هو تنوع الأهداف وتباينها بين الأطراف المشاركة، في الوقت الذي نرى فيه أن المحور الأكثر ثباتاً وثقة بصحة سياسته وصلابة مواقفه هو محور سورية وحلفائها ( روسيا وإيران ) الذي يمتلك زمام المبادرة في الميدان و يعمل بتنسيق وحكمة عالية لتجنيب المنطقة من كارثة محتملة في حال فشل اجتماع الأستانا، وتدهور الأمور بالعودة إلى مرحلة المواجهة التي من الممكن أن تمتد بين الأطراف الفاعلة على الساحة الإقليمية والإنزلاق إلى دائرة الخطر التي يصعب الخروج منها بهذه السهولة، وهذا ما يُمكن قراءته من خلال التحركات الدولية غير البريئة باتجاه التصعيد، إن دور حلفاء سورية ( روسيا وإيران ) في المنطقة يُشكل ضامنا فعليا لمنع حصول ما لا يُحمد عقباه إقليميا ودولياً، بالرغم من وجود خلافات جوهرية في الأهداف والرؤى بين مجموعة الدول الضامنة روسيا وإيران من جهة وتركيا والأردن التي انضمت مؤخراً للمجموعة من جهة أخرى، وهذا ما أكده الجانب الروسي صراحة الذي أشار إلى وجود خلافات عديدة مع الجانب التركي حول بعض القضايا، في حين تنصب الجهود الروسية الإيرانية المشتركة على تثبيت وقف الأعمال القتالية من خلال الاتفاق على الانطلاق بمسارين متوازيين هما :
1- توحيد الجهود السورية والإقليمية والدولية في محاربة الإرهاب ممثلاً بتنظيمي ” داعش، وجبهة النصرة ” والتنظيمات الأخرى الموالية لهما ..
2 – السير بجدية في مسارالحل السلمي وإطلاق الحوار السوري – السوري للوصول إلى تصور مشترك حول مستقبل سورية المنتظر، وذلك بما يتوافق مع الدستور السوري وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وخاصة القرار 2254 لذي يؤكد على وحدة واستقلال سورية أرضاً وشعباً ..
حول الموقف التركي المراوغ والأهداف الحقيقية التي يعمل على تنفيذها، فهو كم ذكرنا لديه أحلام مبيتة لإنشاء دور فعال له على الساحة السورية من خلال عرقلة تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه على بعض الجبهات واستغلال ذلك فيما بعد بتثبيت فصائل إرهابية تابعة له ( تابعة لنظام التركي ) تمهيداً لتحقيق مشروع أردوغان القديم المجدد في اقتطاع أجزاء من سورية والسيطرة عليها بأية وسيلة ممكنة، سيما بعد جرعة الأمل التي زرعها في مخيلته اتصال الرئيس الأمريكي ” ترامب ” الذي أيقظ حلم أردوغان من جديد بإنشاء مناطق آمنة برعاية أمريكية وتغطية مالية سعودية كاملة مهما كلف ذلك الأمر .
يبدو أن تحريك بعض الجبهات الجديدة التي كانت هادئة نسبياً، كجبهة الجنوب في درعا، وجبهة الشمال في ريف اللاذقية، وفي الغوطة ما هو إلا محاولة يائسة من قبل محور أعداء سورية للضغط على المفاوضات سواء في اجتماع الأستانا او مؤتمر جنيف 4، في عملية ترحيل للأزمة السورية إلى مرحلة قادمة قد تطول، حتى تُنظم الإدارة الأمريكية الجديدة أجندتها تجاه المنطقة .
في النتيجة كل الاحتمالات واردة، في ظل ضبابية وتناقض الموقف الأمريكي وتناغمه مع إعادة تنظيم حلفائه في المنطقة، لكن النتائج الميدانية تؤكد على قدرة المحور السوري وحلفائه على امتلاك زمام المبادرة على الأرض وفرض الحل المناسب في الوقت المناسب، مع عدم الاستخفاف بقدرة المحور المعادي وامتلاكه قدرات مالية وعسكرية كبيرة، لكنها ستتلاشى أمام إرادة وتصميم الشعب السوري وجيشه الباسل والحلفاء الذين لم يوفروا أية جهود في دعم ومساندة الدولة السورية وسيستمرون بذلك حتى تحقيق النصر التام على قوى الإرهاب التكفيرية الظلامية ..

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *