ميونخ 53 وإجهاض جنيف 4

يخطىء من يظنّ أنّه بالإمكان فصل المسار السياسي لحل الأزمة في سورية عن قضايا الصراع المتشابكة في المنطقة، إذ يتأكد بعد ست سنوات من «الخراب العربي» وفرة المحصول الذي يجنيه المشروع الصهيوني مقابل النكسات المتلاحقة للمشروع الوطني والقومي العربي.
فمع احتدام الصراع على سورية تتم تصفية القضيّة الفلسطينيّة عن طريق خلق واقع عربي بديل ينسحب الصراع فيه مع العدو الصهيوني ويضيع جوهر القضيّة المركزيّة، ليحلّ مكانه الصراع مع محور مقاومة هذا العدو.
وعلى الرغم من أنّ مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنيّة والدفاعيّة الثالث والخمسين الذي عُقِد وفق جدول أعمال أهمه ثلاث قضايا هي: الحرب على سورية، أزمة اللاجئين، مستقبل النظام الأمني الأوروبي. إلا أنّ هذا المؤتمر لم يكن كالعادة مسرحاً لأزمات العالم بقدر ماكان منصّة اغتُنِمَت الفرصةُ فيها للإفصاح عن إجهاض أستانا1، ولتسويغ استدارة أردوغان التي تمّت في أستانا 2 بعد زيارته إلى الخليج وبخاصة السعودية، كما كان منصّة لتعميق الشرخ العربي والفُرقة الإسلامية.
فقد شكّل ذلك مقدّمات لما جرى في ميونيخ بما فيها من حدّة الخطابات والتجاذبات التي لخّصها التوافق السعودي التركي من جهة، والسعودي الإسرائيلي من جهة ثانية ضد محور المقاومة والهجوم على إيران تحديداً كداعم قوي وأساسي لهذا المحور، مايعني تشكيل جبهة تركية سعودية إسرائيلية تربك المسار السياسي لحل أي أزمة في المنطقة، وتحديداً جنيف 4 القادم.
فمن سمع كلام المسؤولين الصهاينة والسعوديين والأتراك في ميونيخ، واطّلع على تسريبات قمة العقبة الرباعية السريّة التي عقدت في 21 شباط 2016 بحضور كيري والسيسي وعبد الله الثاني ونتنياهو، وسمع في الوقت نفسه – بعد سنة بالضبط دون زيادة أو نقصان يوم واحد – السيسي وعبد الله الثاني يقولان: إنّ حلّ الدولتين من الثوابت القوميّة؟!، يعرف كيف يسقط الرهان على عروبة الملك عبد الله الثاني وهو يؤكد شراكة الأردن مع الحلف الأطلسي “من خارج الحلف مع تمتّعه بموقع شراكة متقدّم”، ويعرف كيف سيصعب على السيسي دفع أبناء مصر والأمّة العربيّة لنسيان صرخة عبد الناصر: جزمة أي جندي أشرف من تاج الملكين، ويعرف أيضاً أنّ أردوغان لايمكن أن يكون إلى جانب الحقوق والقضايا العربيّة الإسلاميّة.
وللأسف، فقد ظهرت البلدان العربيّة والإسلاميّة بأبشع صورها في ميونيخ، حيث رجحت كفة التآمر على سورية وفلسطين ولبنان وإيران باستهداف محور المقاومة، فضاع خلال ذلك العمل الجاد على إنجاح جنيف 4 بسبب حدّة الصراعات التي لخّصها لافروف: لقد عدنا إلى أجواء ما قبل الحرب الباردة داعياً إلى «عالم ما بعد الغرب»، ما أكد مصداقيّة وأهميّة تصريح شويغو أمس من “إن العملية الروسية في سورية ساعدت على قطع سلسلة ثورات ملوّنة في الشرق الأوسط وأفريقيا”.
في هذا المناخ، أي نتيجة تُرتجى من جنيف 4 الآتي؟!
من الواضح أن دي مستورا لن يتمكّن من جمع كافّة أطراف المعارضة في جنيف، ومن سيحضر منها سيكون مأزوماً أزمة مركّبة، فهناك خلاف على المعارضة، وفيها، ومعها، وهناك ضياع لجهود الضامنين في أستانا1 التي كانت مضنية وواعدة في آن معاً، وهناك أيضاً عدم تنسيق حتى تاريخه مع، وبين الراعيين الأساسيين موسكو وواشنطن هذا من جهة، ومن جهة أهمّ هو مانتج عن ردّة فعل محور المقاومة على استدارة أردوغان الخبيثة جداً، وعلى التنسيق السعودي الإسرائيلي، وعلى قمّة العقبة الرباعيّة ما أكّد أهميّة قول الإمام الخامنئي أمس من أنّ «التسوية لا تنسجم مع الوضع الراهن في فلسطين»، وما يبدو معه أنّ أية تسوية لا تنسجم مع الوضع الراهن في المنطقة كلها.
فمع توسّع وتسارع الاتصالات «العربيّة» الإسرائيليّة، ومع استغلال ظروف الانحدار العربي الراهن لا بدّ من تأكيد خطأ الاطمئنان إلى أي مسار سياسي، أو تسوية مع الأعداء التاريخيين للمشروع الوطني العروبي: التحالف الصهيو-أطلسي- الرجعي العربي. وإذا كان هناك من يظنّ أنّ هذا المشروع صار حلماً أو سراباً بسبب الواقع المرير للدولة الوطنيّة العربيّة، وبسبب أن أغلب الجماهير العربيّة دُفعت للبحث عن لقمة الخبز، فإنّ هذا الظن خاطئ تماماً. فهناك اليوم ملامح انحدار وضعف أكبر واضحة في مفاصل هذا التحالف يدركها المستسلمون أنفسهم وترتعد فرائصهم وهم ينظرون فيها، ويعرفها بالمقابل بدقّة وعزم المقاومون وهم أكثر قدرة اليوم على الإفادة منها لتحقيق مشروعهم.
وسواء لدينا ما قيل أو سيُقال في أستانا وميونيخ وجنيف.. وغيرها، فإنّ هذا سيرسّخ قناعة جماهير شعبنا وأمّتنا وهي تستلهم قول الرئيس الأسد الذي طالما أكّد عليه منذ كلمة سيادته على مدرج جامعة دمشق في 10/11/2005: «ثمن المقاومة أقلّ بكثير من كلفة الفوضى والاستسلام».
د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *