عرائس الموت

ترى ما الذي يدفع صبية سورية بعمر الرياحين عاما، لتترك مقاعد الدراسة الجامعية، وتهجر مرآتها وكحلتها وحليها، من أجل الالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري، الذي يخوض وعلى امتداد سبع من عجاف السنين، واحدة من أعتا الحروب في التاريخ؟ ما هو السبب الذي جعلها تستعيض عن حليها وزينتها وبما تحب النساء عادة، ببزة عسكرية وهي ذاهبة طائعة مختارة إلى جبهات حرب ترهب قلوب أشجع الرجال؟ مستغنية عن كتابها الجامعي ببندقية “كلاشينكوف” أو قاذف آربي جي؟

ترى ما هو هذا الشيء العظيم الذي وجدت فيه أمانها رغم أنه يرهب قلوب أشجع الرجال، ولماذا ذهبت إلى تلك الجبهات التي يتهرب منها، عدد كبير من شبان المقاهي والأراكيل و”المُفشين” والمؤجلين زورا وبهتانا منها.

أسئلة كثيرة تلف بمخيلة من يشاهدهن صباحا وهن يتغاوين بالبزة العسكرية التي تصبح عليهن وكأنها ثوب حرير لا تضاهى نعومته. عدد كبير من فتيات سورية وبناتها، خلعن زي الحياة ليرتدين زي الموت وهن بكامل كرامتهن وإرادتهن، فكما هو معروف خدمة العلم في سورية لا تطلب للنساء أن يذهبوا لتأديتها، لكن هذا كان أخر ما خطر في حسبانهن وربما لم يخطر.

إلا أن صبايا سورية يدركن بحسهن الأنثوي الذي لا يخطئ بأن هذه الحرب هي من اقذر الحروب التي يمكن أن تحدث، ونتائجها الكارثية عليهن هي أسوأ من كل كوابيسهن، فمن يحاربنه ويجندلنه صريعا وهو رافعا عليهن كل جهله وتخلفه وخسة ما حمل في رأسه، لا ينظر إليهن إلا سلعا للبيع في سوق المتعة، وهن حرائر من أصلاب أحرار، فأما عيش كريم وأما علقم دونه الموت، هذه هي فلسفتهن ببساطة، كن مع وطنك رجلا كنت أو امرأة، كن معه وحارب لأجله وزد عن حياضه، فالأوطان إن راحت تكسرت المرايا والأمشاط، وتشرد الحب والفرح، وفرسان الأحلام سيصبحون من الشياطين.

في وطني كل يوم جنازات عديدة لشهداء قضوا وهم يصدون العالم كله أن يسلب كرامتهم وقرارهم الوطني، بين تلك الجنازات، تمضي جنازة ل شهيدة قضت في جوبر، وأخرى في درعا، وثالثة في حلب، وهكذا، تمرّ تلك الجنازات فتذبل الورود وتحزن الأشجار ويتباطئ النهر، فريحانة أخرى غادرتنا، ريحانة أخرى نذرت جدائل عطرها لعريس لا ند له، لفارس لا فارس يدانيه، إنهن عرائس الموت، ومن كان الموت عريسها، فمهرها الكرامة والحرية وسلام وطنها ومن تحب.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *