استراتيجية النزول عن الشجرة

 

تظهر اليوم أهمية «استراتيجية النزول عن الشجرة» للخاسرين في الأزمة السورية، وهذا النزول هو موجة من التدافع تعكس واقع الفشل الجماعي والانهيار الشامل لمختلف المنظومات التي حشدت لإسقاط نظام لم يدركوا أن مصدر قوته الأساسية أنه وطني وعروبي في آن معاً.

موسم النزول سيكون هروباً عشوائياً يترجم الرغبة السريعة في الخلاص من ضحالة الرؤى، والارتجال، وتخبّط الحسابات التي رافقت قرار الصعود المذلّ.

وأما بشأن مايسمّى «الربيع العربي»، فسيكتب التاريخ وسيضطرب المؤرخون بعد أن ينجلي أمامهم أنّ التسمية كانت خطأ، وأنّ الأحداث تؤكد أنه نكوص وارتداد عن منجزات عصر النهضة واليقظة العربية التي أسهمت في نجاح حركة التحرر الوطني والاستقلال العربية. فالصواب إنّه الربيع الصهيوني بكل معنى الكلمة وبمعطيات الواقع والمستقبل.

وها هي مجريات الأحداث والوقائع تؤكّد يوماً بعد يوم استحالة تقدير حجم الخسارة في البنى الفوقية والتحتية الوطنية والعربية والإسلامية. مئات الآلاف من الشهداء والضحايا، جسور وطرق ومدارس ومصانع، هذا من جانب، ومن جانب آخر وهو الأهم نشر الضغائن والأحقاد والتكفير والتطرّف، غرس معطيات التخلّف والتفرقة والظلام، غياب الأبعاد الإنسانيّة والحضاريّة التقدميّة، تدمير العيش المشترك والوحدة الوطنية والأمن الوطني والقومي.. وصولاً إلى الاستقواء بالكيان الصهيوني بعد الانحراف في التناقض والتصادم الأساسي بين المشروع القومي والمشروع الصهيوني إلى احتراب داخلي، وعربي عربي، وإسلامي إسلامي.

إنّ من يطلع على لُهاث بعض الحكّام العرب وهم يرتمون في أحضان أمريكا ويتسابقون لنيل رضا الصهاينة بعد منجزات محور المقاومة ميدانيّاً وسياسيّاً وشعبيّاً يعرف ضرورة البحث عن سلّم للنزول عن شجرة التغرير والخيانة والهلاك.

لا تغيب هنا عن البال جرائم التكفيريين والمتطرفين من الوهابية والقاعدة وداعش، وقد توّجتها بالخزي والعار حركة الإخوان المسلمين التي عزز التحالف الصهيوأطلسي الرجعي العربي طموحاتها ممثلة بأنظمة خليجية وعثمانية و«النهضة» في تونس، وتجربة مرسي في مصر. وتكفي رسالة مرسي إلى بيريز عام 2012 دليلاً وقد جاء فيها:

«بعد البسملة – التي لايُستحسن تدوينها في هكذا خِسّة – صاحب الفخامة السيد بيريز رئيس “دولة” إسرائيل، عزيزي وصديقي العظيم:…ولاسيما إنه كان لي الشرف بأن أعرب لفخامتكم عمّا أتمناه لشخصكم من السعادة و”لبلادكم” من الرغد… صديقكم الوفي محمد مرسي».

بعد هذا يبدو مفهوماً سبب خيبة السيدة كلينتون التي دوّنتها في مذكراتها جرّاء سقوط مرسي ومايتصل به من إخونجية وتطرف وتكفير.

والآن في ظل انكشاف الحقيقة ومايتصل بها من تتابع هزائم داعش والنصرة، وقرف الشباب العربي من الوهابية والإخونجية، واستمرار مسلسل الخلاف والتصدع بين داعمي الإرهاب من حكام تركيا وقطر والسعودية وتبادلهم تُهم رعاية الإرهاب، مقابل تقدم الجمهورية العربية السورية شعباً وجيشاً وقيادة في الميدانين السياسي والعسكري، وتوسّع الاعتراف بهذا التقدم محليّاً وإقليمياً ودولياً. في ظل هذا إلى أين سيذهب الخونة والمتآمرون والمرتزقة، والمغرر بهم أيضاً؟!.

لم تعد الباصات الخضراء سلّماً كافياً للنزول عن الشجرة، ولا كذلك تناقضات حكام الخليج، ولا تبادل الاتهامات بين تركيا وأوروبا بدعم الإرهاب… لابد من سلّم آخر يدل هؤلاء إلى أين سيذهبون… فلم تعد مزبلة التاريخ تتسع لهذا الركام.

من الأيام الأولى للحرب على سورية بادرت الحكومة بتأمين السلالم الكافية من دعوة إلى الحوار والإصلاح ومراسيم العفو، والعمل على توسيع دائرة المصالحات المحلية الوطنية، وإلى دعم المسار السياسي طريقاً أساسية لحل الأزمة.

واستجابت الحكومة مع اضطراد التقدّم السياسي والعسكري إلى «مناطق تخفيف التوتر»، لكن حذارِ أن يظنن أحد أن هذه المناطق مقدمات لتعزيز التطرف وحماية المجرمين القتلة. إنها استجابة إنسانية لدواعٍ وطنية أولاً، مقترنة بالطموح إلى رأب الصدع المجتمعي، وعودة الوعي والانتماء، وترسيخ العيش المشترك وصولاً إلى الوحدة الوطنية وسيادة الدولة على كل شبر من أرضها، مع رفض قطعي لأي شكل من أشكال التقاسم والتقسيم.

 

فالحل بأن “يسامح الجميع الجميع” كما أكد السيد الرئيس، وهذا السلّم الاستراتيجي يجب ألّا يطول الانتظار للهبوط عليه، بل يُستحسن التسابق نحوه، فلا انتقام ولا شماتة. فالسياسة مصالح لا أحقاد.. وسيتسع صدر سورية بمبادئها وثوابتها ونظامها السياسي لجميع أبنائها وقريباً تنتهي الحرب عليها وتفشل المؤامرة. هذا ماينتظره ويعرفه شعبنا العربي الأبي فـ «نقاط الضعف في الأقطار العربية متشابهة والاستهداف الخارجي للدول العربية هو واحد» كما أكد القائد الأسد أثناء استقباله للوفد البرلماني التونسي.

وبالمحصلة: إن قرار النزول يتخذ اليوم شكل العدوى، ولا شك في أنه سيحمل معه أسئلة واتهامات كبيرة ستصدم المتآمرين وتحبطهم، لكن لا حلَّ أمامهم سواه.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *