كي لا يكون النصر … يتيماً (2) سورية والمسألة الإقليمية – الدولية

النصر لم يتحقق بعد، لكن يبدو أنه قادم. والاستعداد له ضرورة حياتية، لأن معركة «ما بعد النصر» ليست أسهل من المعركة «من أجل النصر».

ستواجه سورية بعد النصر حالة إقليمية ودولية مستقطبة بوجه كامل وواضح. الهدف الأول للقوى المعادية هو محاولة الاستمرار بزرع التوتر في المنطقة عبر محاولات تقسيم العراق وسورية. بالنسبة لسورية قد يكون هذا الهدف صعب التحقيق بسبب العلاقة الاستراتيجية السورية – الروسية. لكن هناك مشكلة أخرى تنبع من طبيعة الاستقطاب الجديد الذي سيظهر في الإقليم نتيجة التدخل الدولي الكبير.

مركز هذا الاستقطاب يقوم على حل «القضية الفلسطينية» حلاً نهائياً عبر دويلة فلسطينية شكلية تحت وصاية إسرائيلية (الأمن والدفاع)، وربما يكون القسم الغربي لهذه الدويلة (غزة) تحت وصاية مصرية. ومن الملاحظ أن «حماس» بدأت بالمشاركة القوية في هذا المخطط عبر تسليمها «السلطة» في غزة للسلطة في رام الله بتدخل مصري مباشر وإنذاري.

سيقوم محور أمريكي متماسك يمتد من قطر وحتى المغرب ومركزه إسرائيل، وما قرار ملك البحرين بالسماح للرحلات الجوية قريباً بين بلاده والعدو الصهيوني سوى أول «الغيث» الخليجي، بل إنه ليس الأول نظراً لعلاقات السعودية «المدنية» مع اسرائيل. والبحرين هي مجرد فأر تجريبي للرياض.

ستحاول واشنطن الادعاء بأنها حققت رغبة الشعب الفلسطيني عبر دولته «المستقلة ذات السيادة» لكن تحت وصاية إسرائيلية كاملة. وستجد الأنظمة العربية في ذلك نهاية حرج كبير، وستندفع نحو الصهاينة اندفاع الطفل الرضيع الذي اشتاق لثدي أمه..

يريد نتنياهو الجولان «كادو» يعني هدية لهذه الصفقة، لكن هناك رفضاً روسياً قاطعاً وقوياً هذا الرفض يستند إلى القانون الدولي وإلى قوة القرار الوطني السوري، فالجولان بكامله عائد لسورية، لكن ربما عبر استكمال المفاوضات التي انقطعت في استانبول قبل سنوات.

تركيا ستخرج من مولد «الصلح» بين الأنظمة العربية وإسرائيل بلا حمّص. وهذا سبب غضبها الأساسي على أمريكا وعلى السعودية عبر قطر.

ستجد سورية نفسها في محور عالمي حليف، لكنه بعيد عن حدودها، هو محور الاستقلال المعادي للهيمنة، بينما ستكون حدودها الجنوبية والشمالية ملاصقة «للشر الأمريكي». أما شرقنا وغربنا – أي لبنان والعراق – فسيكون هناك وسطية معينة وتقاسم للنفوذ بين محور الاستقلال ومحور الهيمنة. وستكون سورية رأس جسر متقدم لمحور الاستقلال في المنطقة، ذلك في إطار «التعامل» مع أتباع المحور الآخر من أنظمة عربية إضافة إلى تركيا.

التوازن بين المحورين، دولياً، سيكون غير مستقر لصالح محور الاستقلال من وجهة نظر متوسطة أو طويلة الأمد. لكن التعامل بين المحورين في المدى المنظور سيكون على أساس التنافس التفاعلي في المنطقة إذ إنه جزء من دائرةالتنافس التفاعلي الدولية. وهذا التفاعل سيعزز دور محور الاستقلال لأنه يقوي التناقضات الداخلية في محور الهيمنة، و بالتالي نقمة شعوب تلك الدول على أنظمتها، لأن أي حرب باردة أو قطيعة ستتخذها أنظمة الهيمنة ذريعة لإخضاع شعوبها عبر ستيريوتايب «كراهية الآخر» المعروف. أذكر هنا – على سبيل المثال – تصاعد التذمر الأوروبي من الهيمنة الأمريكية وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران وبالعلاقة الأوروبية – الروسية.

على المدى القصير ستكون أوضاعنا صعبة مع المحيط.. لكن على المدى المتوسط والطويل ستشعر سورية بأنها اختارت الخيار التاريخي الصحيح.

د. مهدي دخل الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *