النزوع الانفصالي مـا تـحـت الـطـاولـة ومـا فـوقـهـا

لم يكن النزوع الانفصالي الطافي اليوم على السطح ظاهرة طارئة ومنقطعة عن التاريخ لا في هذه المنطقة ولا في أرجاء عديدة من العالم،  فالتاريخ الجيوسياسي للشعوب ديناميكي وليس ثابتاً.

بالمقابل، فالنزوع الوحدوي أصيل أيضاً، بل أكثر أصالة في الوجدان. إلا أنَّ النزوع الانفصالي مرتبط في أغلب الأحيان بأيدٍ خارجية، بينما النزوع الوحدوي حاجة داخلية وإحساس عميق في الشخصية الوطنيّة.

في الوطن العربي، كان الطرح الانفصالي يتقدّم طرداً مقابل المشروع الوحدوي العروبي، ودائماً كانت النزعات الانفصاليّة مواكبة ومضادة لحركة التحرّر الوطني والاستقلال العربيّة في كل قطر عربي، وفي الوطن العربي عامة. هذه النزعات غذّتها المشاريع الاستعماريّة القديمة والحديثة والصهيونيّة، بينما المشروع الوحدوي مشروع وطني عروبي داخلي بامتياز مدعوم بوجدان الشارع العربي.

والنزوع الانفصالي هو أساساً مشروع “إضعاف”، تَعرفُ مضارَّه ومخاطره الشعوب الأخرى وهو لايزال يهدّد أوروبا الشرقيّة والصين الموحّدة، وبعض بلدان أوروبا الغربيّة.

لكن لهذا النزوع في الوطن العربي طعماً آخر أكثر مرارة ودراميّة ودمويّة أيضاً، وهو يعود لولاءات مريضة اجتماعيّاً وسياسيّاً. ولاءات طائفيّّة ومذهبيّة وعرقيّة وعشائريّة أيضاً يؤصّلها الاستشراق الاستعماري السابق والاستشراق الجديد ولاسيَّما “الاستشراق الإسرائيلي”، ويُضاف إليه اليوم الرافدُ الرجعي العربي الذي كان يمدُّ يديه سابقاً من تحت الطاولة إلى الهدف الصهيوأطلسي، وصار اليوم يمدّها من فوق الطاولة.

الأيام القادمة ستكشف التداعيات الأخرى غير المعلنة لتحالف قوى الانفصال في المنطقة، وما يجري في العراق وجهٌ من الوجوه العديدة، وواحدٌ من المشاريع الانفصاليّة وليس كلّها، وسنسمع وسندرك قريباً تبايناتٍ بين المعلن والمضمر في هذا السياق عند “أشباه الرجال” وأوّلهم في هذا السياق أردوغان الذي يخبط اليوم خبط عشواء ليس فقط بسبب المفارقات الكبرى بين لقاءاته الحميمة والعديدة بالبرزاني وبين تهديده ووعيده “المخاتل” الذي يتحدث عنه بعض الباحثين الأتراك، بل إنَّ قصور النظر في سياسته تجاه العراق هو قرين القصور نفسه تجاه سياسته الإجراميّة حول سورية، بما يؤكّد أنَّ هذا القصور وهذا الإجرام سيطال شعبه وبلاده أيضاً.

في عالم اليوم، لم تعد المسافة طويلة ما بين تحت الطاولة وما فوقها، فهناك تسارعٌ في الأحداث، وانكشاف لها تُتيحه ثورة المعرفة والاتصالات، ووسائل التواصل الاجتماعي وويكيليكس، وحكّام انفعاليون، وهناك بالمقابل شعوب حيّة.

في هذا العالم صار الأطفال يعرفون الوشائج التي تجمع بين “الطرح الأقلّوي”، و”طرح المظلوميّة”، وصاروا يعرفون القوى الخبيثة في المجتمع الدولي التي تغذّي تضافر هذين الطرحين تغذيةً هدفها سرعان ما يتحقّق وهو “الإضعاف”. فالانفصال ضعف، ولا شكَّ في أنَّ الوحدة قوةٌ، فمَنْ الذي له مصلحة في إضعاف العراق؟ لا شكَّ هو نفسه الذي له مصلحة في إضعاف سورية، وفي إضعاف العرب والكرد والمسلمين والمسيحيين…إلخ، في هذه المنطقة.

إنه المشروع الصهيوني الذي لا مصلحة لأهلنا الكرد العرب فيه أيضاً، فبينَ الكرد والعرب من الروابط ما يصعب تحطيمه. وهذا النسق من الإضعاف هو استهداف للعرب، وعبث بالكرد تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً بالمقام الأول.

لم ولن يمدَّ أحدٌ يدَه إلى السلام أو التعاون مع الصهاينة إلا تمنّى أبناؤه أن تكون هذه اليد قد قُطعت قبل ذلك، ولينظرْ اليوم من يمدّ يده إلى الصهاينة من الكرد والعرب إلى مآل اتفاقات “السلام المذِّل” من كمب ديفيد إلى وادي عربة إلى أوسلو، لأن “إسرائيل” ستبقى صهيونية.

بالمحصّلة: فالمشروع الانفصالي في الأمة العربيّة ضعيفٌ تاريخيّاً، ففي هذه الأمّة قوّة كامنة وشعبٌ حيّ يجعلان من استثمار الثقافات الفرعيّة للمذاهب والأعراق ظاهرة هامشيّة. وصحيح أنَّ المشروع القومي العربي “فضفاضٌ” لكنَّه ليس “متضخّماً” كما ينعته بعضهم، وهو بقبوله المراجعة النقديّة قادرٌ على الفاعليّة والحضور. فلا خوفَ إذن من هذا الاستثمار ولا من ذلك المشروع مادامت ستبقى سوريّة قلب العروبة النابض، وعلى الأحزاب والمنظمات والنقابات والمؤسّسات السياسيّة والثقافيّة والدينيّة الوطنيّة العربيّة أن تسارع بمسؤوليّة تاريخيّة إلى دعم مرتكزات المشروع القومي العربي.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *